ههنا إِلا نقْلُ اسْم من شيءٍ إِلى شيءٍ ، فمِنْ أينَ يَجبُ ، ليتَ شعري ، أَن تكونَ الاستعارةُ أبلغَ من الحقيقة ، ويكونَ لِقَوْلنا : " رأيتُ أَسداً " ، مزيةٌ على قولنا : " رأيتُ شبيهاً بالأسد " ؟ وقد علمنا أنه محال أن يتغر الشيء في نسه ، بأن يُنْقَل إِليه اسْمٌ قد وُضِع لِغيره 1 ، من بَعْد أنْ لا يُرادَ مِن معنى ذلك الاسْم فيه شيءٌ بوجْهٍ من الوجوهِ 2 ، بل يُجعلَ كأنه لم يُوضَعْ لذلك المعنى الأصليِّ أصْلاً . وفي أيِّ عَقْلٍ يُتَصوَّر أَنْ يتغيرَ معنى " شبيهاً بالأسد " ، بأنْ يُوضَع لفظُ " أسدٍ " عليه ، ويُنْقَلَ إِليه ؟
509 - واعلمْ أنَّ العقلاءَ بنوا كلامهم ، إذا قاسموا وشبَّهوا ، على أنَّ الأشياءَ تستحِقُّ الأَسامي لِخَواصِّ معانٍ هي فيها دونَ ما عَداها ، فإِذا أثبتوا خاصة شيء لشيء ، أثبتوا له أسم ، فإِذا جعَلوا " الرجُلَ " بحيثُ لا تَنقصُ شجاعتُه عن شجاعةِ الأَسد ولا يَعدمُ منها شيئاً ، قالوا : " هو أَسد " وإِذا وصَفوه بالتَّناهي في الخيرِ والخصالِ الشريفة ، أو بالحُسْن الذي يَبْهَرُ قالوا : " هو مَلَكٌ " وإِذا وصَفُوا الشيءَ بغاية الطِّيبِ قالوا : " هو مِسْك " . وكذلك الحُكْم أبداً .
ثم إنَّهم إِذا استقْصَوْا في ذلك نفَوْا عن المشبَّه اسْمَ جنسِه فقالوا : " ليس هو بإنسانٍ ، وإنما هو أسد " ، و " ليس هو آدميّاً ، وإِنما هو مَلكٌ " ، كما قال الله تعالى : { مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيم } [ يوسف : 31 ] .
هامش
1 " من بعد أن يراد " فبعد " يراد " أسقط كاتب " س " كلامًا كثيرًا جدًا حتى تنتهي إلى أواخر رقم : 530 ، فكتب : " من بعد أن يراد إذا جئت به صريحًا فقلت " ، كلامًا متصلًا كما ترى .
2 أسقط كاتب " ج " لفظ " شيء " .