تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر ) — صفحة 417

مساهمون:

ص٤١٧
أن يُجوِّزَ وقوعَ فكْرٍ من الأعجميِّ الذي لا يعرِفُ معانيَ ألفاظِ العربية أصْلاً 1 ، في الألفاظِ . وذلك مما لا يَخْفى مكانُ الشنعةِ والفضيحة فيه . كشف وهم في مسألة ترتب الألفاظ في النفس ، والسمع : 492 - وشبيهٌ بهذا التوهُّم منهم ، إنك قد تَرى أحدَهم يَعْتَبِر حالَ السامع ، فإِذا رأى المعانيَ لا تترتب في نسه إلاَّ بترتُّب الألفاظِ في سمعه ، ظنَّ عندَ ذلك أن المعاني تبع للألفاظ ، وأن الترتيب يها مكتَسبٌ مِن الألفاظِ ، ومن ترتُّبها في نُطْق المتكلِّم . وهذا ظنٌّ فاسدٌ ممَّنْ يظنُّه ، فإنَّ الاعتبارَ يَنبغي أن يكونَ بحالِ الواضعِ للكلامِ والمؤلِّف له ، والواجِبُ أن يُنظرَ إِلى حالِ المعاني معه لا مَعَ السامِع ، وإِذا نظَرْنا عَلمْنا ضرورةَ أنه محالٌ أنْ يكونَ الترتُّبُ فيها تِبعاً لترتُّب الألفاظِ ومكُتَسباً عنه ، لأنَّ ذلك يقتضي أنْ تكونَ الألفاظُ سابقةً للمعاني ، وأن تَقَع في نفْسِ الإِنسان أولاً ، ثمَّ تقعُ المعاني مِنْ بَعْدها وتاليةً لها ، بالعكْسِ ممَّا يَعْلَمُه كلُّ عاقلٍ إِذا هو لم يُؤخذ عن نَفْسه ، ولم يُضْرَبْ حِجابٌ بينه وبينَ عَقْلِه . وليتَ شعري ، هل كانتِ الألفاظُ إلاَّ مِن أجْل المعاني ؟ وهل هي إلاَّ خَدمٌ لها ، ومُصرَّفَةٌ على حكمها ؟ أوَ ليستْ هي سمات لها ، وأوضاعًا قد وضعت لتذل عليها ؟ فكيفَ يُتصوَّرُ أن تَسْبِقَ المعانيَ وأن تتقَدَّمَها في تَصَوُّرِ النفسِ ؟ إنْ جازَ ذلك ، جازَ أن تكون أسامي الأشياءِ قد وُضِعَتْ قبْل أن عرفتْ الأشياء ، وقيلَ أنْ كانتْ . وما أدري ما أقولُ في شيءٍ يجرُّ الذاهبينَ إليه إِلى أشباهِ هذا من فنونِ المحال ، وردئ الأقوال 2 .
هامش
1 السياق : " أن يجوز وقوع فكر من الأعجمي . . . في الألفاظ " . 2 في المطبوعة : " وروئ الأحوال " وهو لا شيء .
دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر ) — صفحة 417 | عبد القاهر الجرجاني / محمود محمد شاكر