كذا ، وعلَى صِفَةِ كذا ، ولغرضِ كذا . ولهذا المعنى تقول إنه كلام واحد .
عود إلى بيان ما في بيت بشار وأنه سبيكة واحدة :
488 - وأإذا قد عرَفْتَ هذا ، فهو العِبْرَةُ أبداً . فبيتُ بشار إِذا تأَملْتَه وجدْتَهُ كالحَلْقةِ المفْرَغَةِ التي لا تَقْبَلُ التقسيمَ ، ورأيتَه قد صنعَ في الكَلِم التي فيه ما يَصْنَعُه الصانعُ حين يأخُذُ كِسَراً من الذَّهب فيُذِيبُها ثمَّ يَصبُّها في قالبٍ ، ويُخرِجُها لكَ سِواراً أو خلْخالاً . وإنْ أنتَ حاوَلْتَ قَطْعَ بعضِ ألفاظِ البيتِ من بعضٍ ، كنْتَ كمَنْ يَكْسِرُ الحَلْقة ويَفْصِمُ السِّوارَ 1 . وذلك أنه لم يُرِدْ أن يُشَبِّهَ " النقْعَ " بالليل على حدة ، و " الأسياف " بالكَواكِب عَلى حدَة ، ولكنهُ أرادَ أن يُشَبِّه النقْعَ والأسيافُ تَجُولُ فيه بالليل في حالِ ما تَنْكَدِرُ الكواكِبُ وتتهاوى فيه 2 . فالمفهومُ من الجميع مفهومٌ واحد ، والبيتُ مِن أوله إِلى آخرِه كلامٌ واحدٌ .
فانظُرِ الآنَ ما تقولُ في اتحادِ هذه الكَلِم التي هي أجزاءُ البيتِ ؟ أتقولُ : إنَّ ألفاظَها اتَّحدتْ فصارتْ لفظةً واحدةً ؟ أمْ تقولُ : إنَّ معانيَها اتَّحَدتْ فصارتْ الألفاظُ مِن أجْل ذلك كأنَّها لفظةٌ واحدةٌ ؟ فإِن كنت لا تشك أن الاتحاج الذي تراه هو في المعاني ، وإذا كان مِن فسادِ العقلِ ، ومِن الذَّهابِ في الخَبَل ، أنْ يتوهَّمَ مُتَوهِّمٌ أنَّ الألفاظَ يَندمِجُ بعضها في بعض حتى تصير لظفة واحدة .
هامش
1 " فصم السوار وغيره " أن يكسره أو يصدعه من غير أن يبين بعضه من بعض . وانظر بيد بشار فيما سلف رقم : 482 .
2 " انكدرت النجوم " ، انقضت وتناثرت .