تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر ) — صفحة 384

مساهمون:

ص٣٨٤
مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ } [ النساء : 171 ] . وإِذا كان الخطابُ للنصارى ، كان تقديرُ الحكايةِ مُحالاً ، ف‍ " - لا تَقولوا " إذنْ في معنى : " لا تعْتَقِدوا " ، وإِذا كانَ في معنى الاعتقادِ ، لَزِمَ إذا قدَّرَ " ولا تقولوا آلهتُنا ثلاثةٌ " ، ما قُلْنا إنَّه يَلْزمُ مِن إثباتِ الآلهةِ . وذلك لأن الاعتقادَ يَتعلَّق بالخبر لا بالمُخْبَرِ عَنْه . فإِذا قلتَ : " لا تعتقدْ أنَّ الأمراءَ ثلاثةٌ " ، كنتَ نهَيْتَه عن أنْ يعتقدَ كونَ الأُمراءِ على هذه العِدَّة ، لا عنْ أَنْ يَعْتَقِدَ أنَّ ههنا أُمراءَ . هذا ما لا يَشُكُّ فيه عاقلٌ . وإنَّما يكونُ النهْيُ عن ذلك إذا قلتَ : " لا تَعْتقِدْ أَنَّ ههنا أُمراءَ " ، لأنَّك حينئذٍ تَصيرُ كأنَّك قلَْتَ : لا تعتقِدْ وجودَ أمراءَ . هذا ، ولو كان الخطابُ معَ المؤمنينَ ، لكانَ تَقديرُ الحكايةِ لا يَصِحُّ أيضاً . ذلك لأنه لا يجوزُ أنْ يُقالَ : " إنَّ المؤمنينَ نهوا عن أن يحكموا عن النصارى مقالَتَهم ، ويُخْبروا عنْهم بأنَّهم يقولونَ كَيْتَ وكيْتَ " ، كيفَ ؟ وقد قال اللهُ تعالى : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ } [ التوبة : 30 ] ومِنْ أينَ يَصِحُّ النهْيُ عَنْ حكايةِ قولِ المُبْطِل ، وفي تَرْك حكايتهِ تركٌ له وكفره ، وامتناعٌ من النعْي عليه ، والإنكارِ لِقَوْلِه ، والاحتجاجِ عليه ، وإقامةِ الدليل على بُطْلانه ، لأنه لا سبيلَ إلى شيءٍ من ذلك إلاَّ مِنْ بَعْدِ حكايةِ القولِ والإِفصاحِ به ، فاعرِفْه .