يقالَ : إنه كانَ عَجْزٌ ، حتى يثبتَ معجوزٌ عنه معلوم ؛ فلا يقومُ في عَقْل عاقلٍ أن يقول لخصمٍ له : " قد أعجزَك أن تفعل مثل فعلي " ، وهو لا يشير له إلى وصفٍ يَعلَمُه في فعله ، ويراهُ قد وقعَ عليه ؛ أفلا تَرى أنَه لو قالَ رَجلٌ لآخرَ : " إني قد أحدثتُ في خاتَمٍ عملتهُ صنعة أنتَ لا تستطيعُ مثلَها " ، لم تَتَّجه له عليه حجةٌ ، ولم يثبُتْ به أنه قد أتى بما يعجزُه ، إلا من بعدِ أن يرِيَهُ الخاتمَ ، ويشيرَ له إلى ما زعمَ أنه أبدعَه فيه منَ الصَّنعة ، لأنه لا يصحُّ وصفُ الإِنسانِ بأنه قد عَجزَ عن شيءٍ ، حتى يريدَ ذلك الشيءَ ويقصدَ إليه ، ثم لا يتأتَّى له . وليس يتصوَّرُ أن يقصِدَ إلى شيءٍ لا يعلَمُه . وأن تكونَ منه إرادةٌ لأمرٍ لم يعلمْه في جملةٍ ولا تفصيلٍ .
459 - ثم إنَّ هذا الوصفَ ينبغي أنْ يكونَ وصْفاً قد تجدَّد بالقرآن ، وأمر لم يُوجَدْ في غيرهِ ، ولم يُعْرف قَبْلَ نزولِه . وإِذا كان كذلك ؛ فقد وَجَب أنْ يُعْلَم أَنه لا يجوزُ أن يكونَ في " الكَلم المفردةِ " ، لأَن تقديرَ كونِه فيها يؤدِّي إلى المُحال ، وهو أن تكونَ الألفاظُ المفردةُ التي هي أوضاعُ اللُّغة ، قد حدَثَ في مذاقة حروفِها وأصدائها أوصافٌ لم تكُنْ 1 ، لتكونَ تلك الأوصاف فيها أقبل السامعون عليها إِذا كانتَ متلوَّة في القرآن ، لا يَجدونَ لها تلكَ الهيئاتِ والصفاتِ خارِجَ القرآنِ 2 . ولا يجوزُ أن تكونَ في " معاني الكلم المفردة " ، التي هي لها بوضع
هامش
1 في المطبوعة وحدها : " حذاقة حروفها " ، خطأ صرف .
2 معطوف على قوله في أول البقرة : " . . . . لا يجوزُ أن يكونَ في الكَلم المفردةِ . . . " .