بسم الله الرحمن الرحيم
تحرير القول في الإعجاز والفصاحة والبلاغة :
457 - قد أردنا أن نستأنِفَ تقريراً نزيدٌ به الناسَ تَبصيراً أنَّهم في عمياءَ من أمرِهم حتَّى يسلكوا المسلَكَ الذي سلكناه ، ويُفْرِغوا خواطِرَهُم لتأمُّلِ ما استخرجناه وأنَّهم ، ما لم يأخذوا أنفسَهم بذلك ، ولم يُجرِّدوا عناياتِهم له 1 في غرورٍ ، كمن يَعِدُ نفسه الريَّ من السَّرابِ اللامع ، ويخادعها بأكاذيب المطامع .
بيان في معنى " التحدي " ، وأي شيء طولبوا أن يأتوا به ؟ وهو مهم :
458 - يقال لهم : إنكم تتْلون قولَ اللهِ تعالى : { قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ } [ هود : 13 ] ، وقوله : { بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِه } [ البقرة : 23 ] ، فقولوا الآن : أيجوزُ أنْ يكونَ تعالى قد أمرَ نبيه صلى الله عليه وسلم بأنْ يتحدَّى العربَ إلى أن يُعارضوا القرآنَ بمثلِهِ ، من غيرِ أن يكونوا قد عَرَفوا الوصفَ الذي إذا أتَوا بكلامٍ على ذلك الوصفِ ، كانوا قد أَتَوا بمثلِه ؟
ولا بُدَّ من " لا " ، لأنَّهم إنْ قالوا : " يجوزُ " ، أبطلوا التحدِّي ، من حيث إنَّ التحدي - كما لا يخفى - مطالبةٌ بأن يأتوا بكلامٍ على وصفٍ ، ولا تصحُّ المطالبةُ بالإِتيان به على وصفٍ من غيرِ أن يكونَ ذلك الوصفُ معلوماً للمطالَبِ 2 ويبطلُ بذلك دعوى الإِعجاز أيضاً ؛ وذلك لأنه لا يتصور أن
هامش
1 السياق : " وأنهم . . . في غرور " .
2 السياق : " . . . إن قالوا : يجوز ، أبطلوا التحدي . . . ويبطل بذلك " .