قيل : إنَّ ههنا أمراً قد أغْفَلْتَه ، وهو أن قولهم { أَآلِهَتُنَا } ، يُوجِبُ ثُبوتَ آلهةٍ ، جلَّ اللهُ وتعالى عَمَّا يقولُ الظالمونَ عُلوًّا كبيراً . وقولُنا : " ليس لنا آلهةٌ ثلاثةٌ " ، لا يُوجبُ ثبوتَ اثنينِ البتةَ .
فإنْ قلتَ : إن كانَ لا يُوجبُه ، فإنَّه لا يَنْفِيه .
قيل : يَنْفيهِ ما بَعْدَهُ مِنْ قولِه تعالى : { إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ } [ النساء : 171 ] .
فإنْ قيلَ : فإنَّه كما يَنْفي الإلهَيْن ، كذلك ينفي الآلهةَ . وإِذا كان كذلك ، وجَبَ أنْ يكونَ تقديرُهم صحيحاً كتقديركَ .
قيل : هو كما قلتَ ينفي الآلهةَ ، ولكنَّهم إذا زعَموا أنَّ التقديرَ : " ولا تقولوا آلهتُنا ثلاثةٌ " ، وكان ذلك والعياذُ باللهِ من الشِّرْك يَقْتضي إثباتَ آلهةٍ ، كانوا قد دفَعوا هذا النفيَ وخالفوه وأخرجوا إلى المناقَضَة . فإِذا كان كذلك ، كان مُحالاً أن يكون للصحة سبيل إلى ما قالوا . وليس كذلك الحالُ فيما قدَّرْناه ، لأنَّا لم تقدر شيئاً يقتضي إثباتَ إلهيَنْ ، تعالَى اللهُ ، حتى يكونَ حالُنا حالَ مَنْ يَدفَعُ ما يُوجِبُه هذا الكلامُ من نَفْيهِما .
يُبيِّنُ لك ذلِكَ : أَنه يَصِحُّ لنا أَنْ نَتَّبعَ ما قدَّرناه نفْي الاثنينِ ، ولا يَصِحُّ لهم .
تفسيرُ ذلك : أنَّه يصِحُّ أن تقولَ : " ولا تَقولوا لنا آلهةٌ ثلاثةٌ ولا إلهان " ، لأنَّ ذلك يَجْري مَجرْى أَنْ تقولَ : " ليس لنا آلهةٌ ثلاثةٌ ولا إلهان " ، وهذا صَحيحٌ ولا يصِحُّ لهم أَنْ يقولوا : " ولا تقولوا آلهتُنا ثلاثةٌ ولا إلهانِ " 1 ، لأنَّ ذلك يجري
هامش
1 كتب كاتب " ج " : " ليس لنا آله ولا إلهان ، لأن ذلك يجري مجرى . . . " ، فأسقط وأفسد الكلام .