تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر ) — صفحة 379

مساهمون:

ص٣٧٩
مثال آخر في بيان قوله : { وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ } 452 - ومما هو من هذا الذي نحنُ فيه قولُه تعالى : { وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ } [ النساء : 171 ] . وذلك أنَّهم قد ذَهبوا في رفْع " ثلاثةٍ " إلى أنها خبرُ مبتدأ محذوفٍ ، وقالوا : إنَّ التقديرَ : " ولا تقولوا آلهتُنا ثلاثةٌ " . وليس ذلك بمستقيمٍ . وذلك أنَّا إذا قلْنا : " ولا تقولوا آلهتُنا ثلاثة " ، كان ذلك ، والعياذُ بالله ، شبيه الإثباتِ أنَّ ههنا آلهةً ، من حيثُ إنَّكَ إذا نفيْتَ ، فإنما تَنفي المعنى المستفادَ من الخَبر عن المبتدأ ، ولا تنفي معنى المبتدأ ، فإِذا قلتَ : " ما زيدٌ منطلقاً " كنتَ نفيْتَ الانطلاقَ الذي هو معنى الخبرِ عن زيدٍ ، ولم تَنْفِ معنى زيد ولم تُوجِبْ عدَمَه . وغذاكان ذلك كذلك ، فإِذا قُلْنَا : " ولا تقولوا آلهتُنا ثلاثةٌ " ، كنَّا قد نفَيْنا أن تكونَ عِدَّةُ الآلهة ثلاثةً ، ولم تنف أن تكونَ آلهةً ، جلَّ الله تعالى عن الشريكِ والنظيرِ كما أنك إِذا قلتَ : " ليس أُمراؤنا ثلاثةً " ، كنتَ قد نفَيْتَ أن تكونَ عِدَّةُ الأمراءِ ثلاثةً ، ولم تَنْفِ أن يكون لكُمْ أمراءُ . هذا ما لا شبْهةَ فيه . وغذا أدَّى هذا التقديرُ إلى هذا الفسادِ ، وَجَبَ أنْ يَعْدِل عنه إلى غيره . والوجهُ ، واللهُ أعلمُ ، أن تكونَ " ثلاثة " صفةَ مبتدأ لا خبرَ مبتدإٍ ، ويكونَ التقديرُ : " ولا تقولوا لنا آلهةٌ ثلاثة أو : في الوجود آلهة ثلاثة " ، ثم حُذِفَ الخبرُ الذي هو " لنا " أو " في الوجود " كما حُذِفَ من : " لا إله إلاَّ الله " و { مَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّه } [ آل عمران : 62 ] ، فبقي " ولا تقولوا آلهةٌ ثلاثةٌ " ، ثم حُذِف الموصوفُ الذي هو " آلهة " ، فبقي : " ولا تقولوا ثلاثةٌ " . وليس في حذْف ما قدَّرْنا حذْفَه ما يتوقّفُ في صحَّته . أما حذفُ الخبر الذي قلْنا إنه " لنا " أو " في الوجود " ، فمطَّردٌ في كلِّ ما معناهُ التوحيدُ ، ونفيُ أن يكون معَ الله ، تعالى عن ذلك ، إلهٌ .
دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر ) — صفحة 379 | عبد القاهر الجرجاني / محمود محمد شاكر