أنْ يُفكَّر في الذي بيَّنَّاهُ من أنَّ " النظْمَ " هو توخِّي معاني النحوِ في معاني الكلم ، وأنَّ توخِّيها في متونِ الألفاظِ مُحال . فلما جعلَ هذا في نفسِه ، ونشِبَ هذا الاعتقادُ به ، خَرَجَ له من ذلك أنَّ الحاكي إذا أدَّى ألفاظَ الشعرِ على النَّسق الذي سَمِعَها عليه ، كان قد حكَى نظْمَ الشاعرِ كما حكَى لفظَه .
وهذه شُبْهةٌ قد مَلَكَتْ قلوبَ الناس ، وعشَّشَتْ في صُدورِهم ، وتَشَرَّبَتْها نفوسُهم ، حتى إنكَ لَتَرى كثيراً منهم وهو من حلوها عندَهم محلِّ العلمِ الضروري ، بحيثُ إنْ أومأتْ له إلى شيءٍ مما ذَكَرْناه أشمازَّ لك ، وسَكَّ سَمْعَهُ دَونك ، وأظهرَ التعجُّبَ منك . وتلك جريرةُ تَرْكِ النظرِ ، وأخْذِ الشيءِ من غيرِ معدنه ، ومن الله التوفيق .
دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر ) — صفحة 361
مساهمون: عبد القاهر الجرجاني
ص٣٦١