تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر ) — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
باب اللفظ والنظم : فصل : إزالة شبهة في شأن " النظم والترتيب " 426 - اعلم أنه لا يصحل تقدير الحكاية في " النظم والتتريب " ، بل لن تعدُوَ الحكايةُ الألفاظَ وأجراسَ الحروفِ ، وذلك أنَّ الحاكي هو مَنْ يأتي بمثْلِ ما أتى به المحكي عنه ، ولابد من أن تكونَ حكايتُه فعلاً لَهُ ، وأَنْ يكونَ بها عاملًا عملًا مثل عمل المحي عنهُ ، نحو أَن يصوغَ إنسانٌ خاتَماً فيُبْدعَ فيه صنعة ، ويأتي في صناعته بخاصة تستعرب ، فيعمد واحد آخر فيعل خاتماً على تلك الصُّورةِ والهيئةِ ، ويجيءَ بمِثْلِ صنْعَتهِ فيه ، ويُؤدِّيها كما هي ، فيقالُ عند ذلك : " إنه قد حكى عمل فلان ، وصنة فلان " . 427 - و " النظم والترتيبُ " في الكلامِ كما بيَّنَّا ، عَملٌ يَعْمَلُه مؤلف الكلام في معاني الكلام لا في ألفاظِها ، وهو بما يَصْنعُ في سبيلِ مَنْ يأخذُ الأصباغَ المختلفةَ فيتوخَّى فيها ترتيبًا يحدث عنه ضروب من النقشِ والوَشْي . وإذا كانَ الأمرُ كذلك ، فإنَّا إنْ تعدَّينا بالحكايةِ الألفاظَ إلى النظمْ والترتيبِ ، أدَّى ذلك إلى المُحال ، وهو أنْ يكونَ المُنْشِدُ شعرَ امرئ القيس ، قد عَمِلَ في المعاني وترتيبها واستخراج النتائجِ والفوائدِ ، مثْلَ عملِ امرئ القيس ، وأنْ يكونَ حالُه إذا أَنشدَ قولَه : فقلتُ لهُ : لما تَمطَّى بصُلْبه . . . وأَرْدَف أَعجازاً وناءَ بِكَلْكَلِ 1 حالَ الصائغِ يَنْظُر إلى صورةٍ قد عَمِلها صائغٌ مِنْ ذهبٍ لهُ أو فضة ، فيجيء بمثلها من ذبه وفضَّتهِ . وذلك يخْرجُ بمُرتكِبٍ ، إنْ ارْتَكَبَه ، إلى أن يكون
هامش
1 هو شعر امرئ القيس ، كما هو معروف . الراوي مستحقًا لأن يوصف بأنه : " استعار " و " شبه " ، وأن يُجْعَل كالشّاعرِ في كل ما يكونُ به ناظماً ، فيُقال : إنه جعَلَ هذا فاعلاً ، وذاك مفعولاً ، وهذا مبتدأ ، وذاك خبراً ، وجعلَ هذا حالاً ، وذاكَ صفةً ، وأنْ يُقالَ : " نَفَى كذا " و " أثبت كذا " ، و " أبدل كذا من كذا " . و " أضاف كذا إلى كذا " ، وعلى هذا السبيل ، كا يقال ذاك في الشاعر . وإذا قيل ذلك ، لزمه منه أنْ يُقال فيه : " صدَقَ ، وكَذَبَ " ، كما قال في المحْكيِّ عنه ، وكفَى بهذا بُعْداً وإحالةً . ويجمع هذا كله ، أنه يلزم مننه أن يُقال : " إنه قال شعراً " ، كما يقال فيمنْ حَكَى صَنعةَ الصّائغِ في خاتَمٍ قد عَمِلَه : " إنه قد صاغ خاتماً " .
دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر ) — صفحة 359 | عبد القاهر الجرجاني / محمود محمد شاكر