بكِّرا فالنَّجاحُ في التَّبْكيرِ
كان أحسَنَ . فقال بشارٌ : إِنما بنَيْتُها أعرابية وَحْشيَّة فقلتُ : إنَّ ذاكَ النجاح في التبكير ، كما يَقولُ الأعرابُ البدويون ، ولو قلتُ : " بكِّرا فالنجاحُ " ، كانَ هذا من كلامِ المولَّدينَ ، ولا يُشْبِهُ ذاكَ الكلامَ ، ولا يَدْخُل في معنَى القصيدةِ . قالَ : فقامَ خلَفُ فقبَّلَ بَيْنَ عينيه " 1 ، فهل كان هذا القولُ من خَلَف والنقدُ عَلَى بشارٍ ، إِلاّ لِلُطفِ المعنى في ذلك وخفائه ؟
" إن " ، تغني غناء " الفاء " ، في ربط الجملة بما قبلها :
316 - واعلمْ أنَّ مِنْ شأنِ " إنَّ " إِذا جاءتْ على هذا الوجهِ ، أَن تُغْني غَناء " الفاءِ " العاطِفةِ مثلاً ، وأنْ تُفيدَ من رَبْط الجملةِ بما قبلَها أمراً عجيباً . فأنتَ تَرى الكلامَ بها مستأنفًا غير مستأنف ، ومقطوعًا موصولاً معاً . أفلا تَرى أنك لو أَسْقَطْتَ " إنَّ " من قولِهِ : " إنَّ ذاك النجاحَ في التبكيرِ " ، لم تَرَ الكَلاَم يلتئِمُ ، ولرأيتَ الجملةَ الثانيةَ لا تتَّصل بالأولى ولا تكونُ منها بسبيلي ، حتى تجيءَ بالفاءِ فتقولُ : " بكِّرا صاحبيَّ قبلَ الهجير ، فذاك النجاح في التبكير " ومثله قوله بعضِ العرب :
فغَنِّهَا وهْي لكَ الفِداءُ . . . إنَّ غِناءَ الإِبلِ الحُداءُ 2
فانظرْ إِلى قولِه : " إنَّ غِناءَ الإبلِ الحداءُ " ، وإِلى ملاءمَتِهِ الكلامَ قبلَه ، وحسْنِ تشبثِه به ، وإِلى حُسْن تعطُّفِ الكلامِ الأول عليه . ثم انظر إذا تركت
هامش
1 هذه القصة بهذا اللفظ في الأغاني 3 : 190 ، وفيها الخلاف الذي أشرت إليه في التعليق السابق . وستأتي الإشارة إليه في رقم : 372 .
2 سيأتي أيضًا في رقم : 372 .