فأتَى بالجمودِ تأكيداً لنفي الجُودِ ، ومُحالٌ أن يَجْعَلها لا تَجودُ بالبكاءِ وليس هناك التماسُ بكاءٍ ، لأنَّ الجودَ والبُخْل يَقْتضيانِ مطلوباً يُبْذَلُ أو يُمْنَعُ ، ولو كان الجمودُ يَصْلُح لأنْ يُرادَ به السلامةُ منَ البكاء ، ويصِحَّ أن يُدَلَّ به على أنَّ الحالَ حالُ مَسَّرةٍ وحُبورٍ ، لجازَ أن يُدْعى به للرجلِ فيقالَ : " لا زالتْ عينُك جامدةً " ، كما يقالُ : " لا أبكى اللهُ عينَكَ " ، وذاك مما لا يُشَكُّ في بُطْلانه .
وعلى ذلك قولُ أهل اللغةِ : " عينٌ جَمُودٌ ، لا ماءَ فيها ، وسنةٌ جمادٌ ، لا مطرَ فيها ، وناقةٌ جمادٌ ، لا لَبَن فيها " ، وكما لا تُجْعَلُ السنةُ والناقةُ جماداً إلاَّ على مَعْنى أنَّ السنةَ بخيلةٌ بالقَطْر ، والناقةُ لا تَسْخُو بالدُّرِّ ، كذلك حُكْمُ العينِ لا تُجْعَل " جَمُوداً " إِلا وهناكَ ما يَقْتضي إرادةَ البكاءِ منها ، وما يَجْعَلُها إِذا بكَتْ مُحْسِنةً موصوفَةً بأنْ قَدْ جادَتْ وسخَتْ وإِذا لم تَبْكِ ، مسِيئةً موصوفةً بأنْ قد ضنَّتْ وبَخِلَتْ .
313 - فإنْ قيلَ : إِنه أرادَ أن يقولَ : " إِني اليومَ أَتجرَّعُ غُصَصَ الفِراقِ ، وأحْمِلُ نَفْسي على مُرِّهِ ، واحْتمِلُ ما يُؤدِّيني إِليه من حُزْنٍ يُفيضُ الدموعَ مِنْ عَيني ويَسْكُبُها ، لكي أتسبَّب بذلك إلى وصْلٍ يدومُ ، ومسَرَّةٍ تتَّصِلُ ، حتى لا أعرِفَ بعدَ ذلك الحزنَ أصْلاً ، ولا تعرِفَ عيني البكاءَ ، وتصيرَ في أنْ لا تُرى باكيةُ أبداً ، كالجَمودِ التي لا يَكُونُ لها دَمْعٌ " .
1 فإنَّ ذلكَ لا يَستقيمُ ولا يستتب ، لأنه يُوقِعُه في التناقضِ ، ويَجْعَلُه كأنه قال : " احْتَمِل البكاءَ لهذا الفراقِ عاجلاً ، لأصيرَ في الآجِل بدَوَام الوصْلِ واتِّصالِ السُّرورِ في صُورةِ مَنْ يُريد مِنْ عَينِه أنْ تَبكي ثم لا تَبْكي ، لأَنها خُلِقَتْ جامدةٌ لا ماءَ فيها " ، وذلك مِن التهافُتِ والاضطرابِ بحيثُ لا تنجع الحيلة فيه .
هامش
1 هو جواب قوله في أول الفقرة : " فإن قيل " .