تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر ) — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
قال : فلما انصرفتُ حدثتُ أبي 1 ، قال : أخطأَ ابنُ شُبْرُمة حين أنكَرَ على ذي الرُّمة ما أنكر 2 ، وأخطأ ذو الرُّمة حين غيَّر شِعْرَه لقولِ ابن شبرمة ، إِنما هذا كقولِ اللهِ تعالى : { ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا } [ النور : 40 ] ، وإِنما هُوَ : لم يَرَها ولم يَكَدْ 3 . 318 - واعلمْ أنَّ سبَبَ الشُّبهةِ في ذلكَ أَنَّه قد جَرَى في العُرفِ أن يقالَ : " ما كادَ يفعل " و " لم يكدْ يفعلُ " في فعلٍ قد فُعِلَ ، على معنى أنَّهُ لم يَفْعل إلاَّ بعْدَ الجهدِ ، وبعد أن كان بعيدًا الظنِّ أنْ يَفْعَله ، كقولِه تعالى : { فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ } [ البقرة : 71 ] ، فلمَّا كانَ مجيءُ النفيِ في " كادَ " على هذا السبيلِ ، توهَّم ابنُ شُبْرُمةَ أنَّه إِذا قال : " لم يكَدْ رسيسُ الهوى مِن حبِّ ميَّةَ يبرحُ " فقد زَعم : أنَّ الهَوى قد بَرِح ، ووقعَ لذي الرُّمة مثلُ هذا الظنِّ . وليس الأمرُ كالذي ظنَّاهُ ، فإنَّ الذي يقتضيهِ اللفظُ إذا قيل : " لم يكد يفعل " و " ما كادَ يَفعل " ، أنْ يكونَ المرادُ أنَّ الفعلَ لم يكنْ من أصْله ، ولا قارَبَ أن يكونَ ، ولا ظُنَّ أنَّه يكونُ . وكيفَ بالشكِّ في ذلك ؟ وقد عَلِمْنا أنَّ " كادَ " موضوعٌ لأنْ يَدُلَّ على شدَّةِ قُرْب الفِعلِ من الوقوعِ ، وعلى أنه قد شارَفَ الوجودَ . وإِذا كان كذلك ، كان مُحالا أن يوجِبَ نَفْيُه وجودَ الفعلِ ، لأنه يؤدِّي إِلى أن يوجِبَ نفيُ مقاربةِ الفعلِ الوجودَ وجودَه 4 ، وأن يكون قولك :
هامش
1 " حدثت أبي " قائله " غيلان بن الحكم " ، وأبوه هو " الحكم بن ابختري بن البختار " ، و " ابن شبرمة " ، هو " عبد الله بن شبرمة الضبي " ، كان شاعرًا فقيهًا قاضيًا جوادًا ورعًا ، من الرجال الكبار . 2 " ما أنكر " زيادة من " س " ، وفي الأغاني : " ما أشند " . 3 الخير بتمامه في الموشح : 179 ، 180 ، والأغاني 18 : 34 ، " الهيئة " . 4 " وجوده " منصوب مفعول " يوجب " أي يوجب هذا النفي وجوده .