فصل : بيان في استعمال " اللفظ " ، والمراد به دلالة المعنى على المعنى :
310 - ومِن الصفاتِ التي تجدهُم يُجْرُونها على " اللفظ " ، ثمَّ لا تَعترضِكُ شُبهةٌ ولا يكونُ منكَ توقُّفٌ في أنها ليستْ له ، ولكنْ لمعناه ، قولُهم : " لا يكونُ الكلامُ يستحقُّ اسمَ البلاغةِ حتى يُسابِقَ معناهُ لفظَهُ ، ولفظُه معناه ، ولا يكونَ لفظُه أسبقَ إِلى سمعك من معناه إِلى قلبكَ " وقولُهم : " يدخلُ في الأُذن بلا إذْن " ، فهذا مما لا يَشُكُّ العاقلُ في أنه يَرجِعُ إِلى دلالةِ المعنى على المعنى ، وأنه لا يُتصوَّر أنْ يُرادَ به دلالةُ اللفظِ على معناه الذي وُضِع له في اللغةِ .
ذاك لأَنهُ لا يَخلو السامِعُ من أنْ يكونَ عالِماً باللغةِ وبمعاني الألفاظِ التي يَسمعُها ، أو يكونَ جاهلاً بذلك . فإِن كانَ عالِماً لم يُتَصوَّرْ أنْ يَتفاوتَ حالُ الألفاظِ معه ، فيكونَ معنى لفظٍ أسرعَ إِلى قلبِه من معنى لفظٍ آخرَ وإنْ كان جاهلاً كان ذلك في وصفهِ أبْعدَ .
وجملةُ الأمرِ أنَّه إِنما يُتصوَّر أن يكونَ لمعنى أسرعَ فهماً منه لِمعنىً آخرَ ، إِذا كانَ ذلك مما يدرَكُ بالفكْر ، وإِذا كان مما يتجدَّد له العلمُ به عند سَمْعِه للكلامِ . وذلك مُحالٌ في دلالاتِ الألفاظ اللغوية ، لأن طريقَ معرفتها التوقيف ، والتقديم بالتعريفِ .
311 - وإذا كان ذلك كذلك ، عُلِمَ عِلْمَ الضرورةِ أنَّ مصْرِفَ ذلك إِلى دلالات المعاني على المعاني ، وأنهم أرادوا أنَّ مِن شَرْط البلاغة أنيكون المعنى الأولُ الذي تجعلُه دليلاً على المعنى الثاني ووَسيطاً بينَكَ وبينَه ، متمكِّناً في دلالتِه ، مستقلاً بوسّاطَتهِ ، يَسْفُرُ بينَكَ وبينَه أحْسَنَ سِفارة ، ويُشيرُ لك إليهِ
دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر ) — صفحة 267
مساهمون: عبد القاهر الجرجاني
ص٢٦٧