تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر ) — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
147 - فتأمَّل الآنَ هذه الأبياتَ كلَّها ، واسْتَقْرِها واحداً واحداً ، وانظرْ إلى مَوقِعها في نفسِك ، وإلى ما تَجدُه مِنَ اللطفِ والظَّرْفِ إذا أنتَ مررت بموضع الحذف منها ، ثم فليت النفسَ عما تَجدُ 1 ، وأَلْطفْتَ النظَرَ فيما تُحِسُّ به . ثُمَّ تَكلَّفْ أَن تَرُدَّ ما حذَفَ الشاعرُ ، وأن تُخرجَه إلى لفظِك ، وتُوقِعَه في سمعكَ ، فإِنك تَعلمُ أنَّ الذي قلتُ كما قلتُ ، وأنْ رُبَّ حَذْفٍ هو قِلادَةُ الجِيد ، وقاعدةُ التَّجويد ، وإنْ أردتَ ما هو أَصْدقُ من ذلك شهادةً ، وأدلُّ دلالةً ، فانظرْ إلى قولِ عبدِ الله بنِ الزَّبير يذكُر غريماً له قد ألح عليه : عرَضْتُ على زيدٍ ليأخذَ بعضَ ما . . . يُحاوِلُه قَبْلَ اعتراضِ الشَّواغِلِ فدَبَّ دبيبَ البغْلِ يأْلَمُ ظَهْرُهُ . . . وقالَ : تَعلَّمْ ، أَنني غيرُ فاعلِ تثاءَبَ حتى قلْتُ : داسِعُ نفْسِه . . . وأَخْرَجَ أَنياباً لهُ كالمَعَاوِلِ 2 الأَصلُ : حتى قلتُ : " هو داسِعُ نفْسِه " ، أي حسبْتُه من شدِّة التَّثاؤب ، وممَّا به من الجهْدِ ، يقذِفُ نفْسَه من جوفه ، ويُخرجُها من صدره ، كما يدْسَعُ البعيرُ جِرَّته . ثم إنَّك تَرى نصْبةَ الكلام وهيئتَه تَرومُ منك أنْ تَنْسى هذا المبتدأ ، وتباعدَه عن وَهْمك ، وتَجتهدُ أن لا يدورَ في خَلَدِكَ ، ولا يَعْرِضَ لخاطرك ، وتَراكَ كأنَّك تَتوقَّاه تَوَقِّيَ الشِّيءِ تكره مكانه ، والثقيل تخشى هجومه . أمثلة من لطيف حذف المبتدأ : 148 - ومن لَطِيفِ الحَذْف قولُ بكْر بن النَّطَّاح :
هامش
1 في المطبوعة : " ثم قلبت " ، و " فليت " ، فنشت . 2 في مجموع شعره : 115 ، عن الأغاني 14 : 240 ، 241 ، وغريم عبد الله يقال له : " ذئب " ، كما ذكر صاحب الأغاني ، ولكنه جاء فيا لشعر ناك وهنا " عرضت على زيد " . و " دسع البعير بجرته " ، دفع الطعام فأخرجه من جوفه ، ومضغه مرة أخرى .