تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاختيار لتعليل المختار — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
وَهِيَ مُؤَخَّرَةٌ عَنْ مَئُونَةِ الْمُوصِي وَقَضَاءِ دُيُونِهِ ، وَهِيَ مُقَدَّرَةٌ بِالثُّلُثِ تَصِحُّ لِلْأَجْنَبِيِّ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا بِغَيْرِ إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ ، وَمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ وَلِلْقَاتِلِ ( س ) وَالْوَارِثِ تَصِحُّ بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ ، وَتُعْتَبَرُ إِجَازَاتُهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِ ،
شرح
وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ الْمَهْدِيِّينَ وَالسَّلَفَ الصَّالِحَ أَوْصُوا ، وَعَلَيْهِ الْأُمَّةُ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا ؛ وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَخْلُو مِنْ حُقُوقٍ لَهُ وَعَلَيْهِ ، وَأَنَّهُ مُؤَاخَذٌ بِذَلِكَ ، فَإِذَا عَجَزَ بِنَفْسِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِي ذَلِكَ غَيْرَهُ وَالْوَصِيُّ نَائِبٌ عَنْهُ فِي ذَلِكَ ، فَكَأَنَّ فِي الْوَصِيَّةِ احْتِيَاطًا لِلْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَتِهَا فَيُنْدَبُ إِلَيْهَا وَتُشْرَعُ تَحْصِيلًا لِهَذِهِ الْمَصَالِحِ . قَالَ : ( وَهِيَ مُؤَخَّرَةٌ عَنْ مَئُونَةِ الْمُوصِي وَقَضَاءِ دُيُونِهِ ) عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْفَرَائِضِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . ( وَهِيَ مُقَدَّرَةٌ بِالثُّلُثِ تَصِحُّ لِلْأَجْنَبِيِّ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا بِغَيْرِ إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ ) لِمَا رُوِّينَا مِنْ حَدِيثِ سَعْدٍ وَغَيْرِهِ وَهِيَ مُطْلَقَةٌ لَا تَتَقَيَّدُ بِالْمُسْلِمِ وَلَا بِغَيْرِهِ . قَالَ : ( وَمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ وَلِلْقَاتِلِ وَالْوَارِثِ تَصِحُّ بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ ) لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ لَا تَجُوزُ لِحَدِيثِ سَعْدٍ . وَفِي الْحَدِيثِ : « الْحَيْفُ فِي الْوَصِيَّةِ مِنَ الْكَبَائِرِ » ، قِيلَ : مَعْنَاهُ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ وَلِلْوَارِثِ ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ ذَلِكَ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ ; لِأَنَّ الْمَرِيضَ مَرَضَ الْمَوْتِ قَدِ اسْتَغْنَى عَنِ الْمَالِ وَتَعَلَّقَ حَقُّهُمْ بِهِ ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ فِي الثُّلُثِ بِمَا سَبَقَ مِنَ الْحَدِيثِ ، وَلِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ لِيَتَدَارَكَ مَا فَرَّطَ مِنْهُ وَقَصَّرَ فِي عَمَلِهِ ، فَإِذَا أَجَازَتِ الْوَرَثَةُ ذَلِكَ فَقَدْ رَضُوا بِإِسْقَاطِ حَقِّهِمْ فَيَصِحُّ . ( وَتُعْتَبَرُ إِجَازَتُهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِ ) لِأَنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ ثَبَتَ حَقُّهُمْ فِيهِ لَا قَبْلَهُ ، وَإِنَّمَا يَسْقُطُ الْحَقُّ بَعْدَ ثُبُوتِهِ ، فَإِذَا أَجَازُوهُ بَعْدَ الْمَوْتِ فَقَدْ أَسْقَطُوا حَقَّهُمْ بَعْدَ ثُبُوتِهِ فَيَصِحُّ ، وَكَذَلِكَ الْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ إِنَّمَا امْتَنَعَتْ لِحَقِّ بَاقِي الْوَرَثَةِ ; لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَا تَجُوزُ لِوَارِثٍ ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ وَلَا إِقْرَارَ بِدَيْنٍ » ، وَفِي رِوَايَةٍ : « لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ إِلَّا أَنْ تُجِيزَهَا الْوَرَثَةُ » ، وَلِأَنَّهُ حَيْفٌ فِي الْوَصِيَّةِ لِمَا مَرَّ ، وَلِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْجَمِيعِ عَلَى مَا بَيَّنَّا ، فَإِذَا خَصَّ بِهِ الْبَعْضَ يَتَأَذَّى الْبَاقِي وَيُثِيرُ بَيْنَهُمُ الْحِقْدَ وَالضَّغَائِنَ وَيُفْضِي إِلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ ، فَإِذَا أَجَازَهُ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَا حِقْدَ وَلَا ضَغَائِنَ فَيَجُوزُ ، فَإِنْ أَجَازَ الْبَعْضُ وَرَدَّ الْبَعْضُ جَازَ فِي حَقٍّ الْمُجِيزِ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ ، وَبَطَلَ فِي الْبَاقِي لِوِلَايَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ . وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ لِلْقَاتِلِ فَلَا تَجُوزُ إِذَا وُجِدَ الْقَتْلُ مُبَاشَرَةً عَمْدًا كَانَ أَوْ خَطَأً . قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « لَا وَصِيَّةَ لِقَاتِلٍ » ، وَكَذَا لَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ فَقَتَلَهُ تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ لِمَا قُلْنَا لِأَنَّ نَفَاذَ الْوَصِيَّةِ بَعْدَ الْمَوْتِ ، فَإِذَا أَجَازَتْهَا الْوَرَثَةُ جَازَتْ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : لَا تَجُوزُ عَمَلًا بِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ ، وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا لَمْ تَجُزْ لِجِنَايَتِهِ وَهِيَ بَاقِيَةٌ . وَلَنَا أَنَّ الِامْتِنَاعَ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ لِأَنَّ بُطْلَانَهَا نَفْعٌ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ كَبُطْلَانِهَا لِلْوَارِثِ وَبِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ ، فَإِذَا أَجَازُوا ذَلِكَ فَقَدْ أَسْقَطُوا حَقَّهُمْ فَيَسْقُطُ ، وَكُلَّمَا تَوَقَّفَ عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ فَأَجَازُوهُ
الاختيار لتعليل المختار — صفحة 63 | عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي الحنفي / محمود أبو دقيقة