تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاختيار لتعليل المختار — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
وَلَا تَصِحُّ إِلَّا مِمَّنْ يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْقُصَ مِنَ الثُّلُثِ ، وَإِنْ كَانَتِ الْوَرَثَةُ فُقَرَاءَ لَا يَسْتَغْنُونَ بِنَصِيبِهِمْ فَتَرْكُهَا أَفْضَلُ ، وَتَصِحُّ لِلْحَمْلِ وَبِهِ وَبِأُمِّهِ دُونَهُ ،
شرح
فَالْمُوصَى لَهُ يَمْلِكُهُ مِنْ جِهَةِ الْمُوصِي لِأَنَّ السَّبَبَ صَدَرَ مِنْهُ ، وَالْإِجَازَةُ رَفْعُ الْمَانِعِ كَالْمُرْتَهِنِ إِذَا أَجَازَ بَيْعَ الرَّهْنِ . قَالَ : ( وَلَا تَصِحُّ إِلَّا مِمَّنْ يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ ) فَلَا تَصِحُّ مِنَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْمَأْذُونِ ; لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَبَرُّعٌ مَحْضٌ لَا يُقَابِلُهُ عَمَلٌ مَالِيٌّ وَلَا نَفْعٌ دُنْيَوِيٌّ فَصَارَ كَالْهِبَةِ وَتَنْجِيزِ الْعِتْقِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ ثُمَّ مَاتَا بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالْإِفَاقَةِ لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ حَالَةَ الْمُبَاشَرَةِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : إِنْ أَدْرَكْتُ فَثُلُثِي لِفُلَانٍ وَصِيَّةً لَا تَصِحُّ لِعَدَمِ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ ، فَلَا يَمْلِكُهُ تَنْجِيزًا وَلَا تَعْلِيقًا كَالْعَتَاقِ وَالطَّلَاقِ ، وَأَمَّا الْعَبْدُ وَالْمُكَاتَبُ إِذَا أَضَافَاهَا إِلَى مَا بَعْدَ عِتْقِهِمَا لَا تَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُمَا أَهْلٌ لِذَلِكَ ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ فِي الْحَالِ لِحَقِّ الْمَوْلَى ، فَإِذَا زَالَ حَقُّ الْمَوْلَى زَالَ الْمَانِعُ فَتَصِحُّ . قَالَ : ( وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْقُصَ مِنَ الثُّلُثِ ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « وَالثُلُثُ كَثِيرٌ » أَيْ فِي الْوَصِيَّةِ ، وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : لِأَنْ أُوصِيَ بِالْخُمُسِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُوصِيَ بِالرُّبُعِ ، وَلِأَنْ أُوصِيَ بِالرُّبُعِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُوصِيَ بِالثُّلُثِ ، وَلِأَنَّ فِيهِ صِلَةَ الْقَرِيبِ بِتَرْكِهِ حَقَّهُ لَهُمْ ، وَلَا صِلَةَ فِيمَا أُوصِي بِالثُّلُثِ تَامًّا ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى حَقَّهُ فَلَا صِلَةَ . قَالَ : ( وَإِنْ كَانَتِ الْوَرَثَةُ فُقَرَاءَ لَا يَسْتَغْنُونَ بِنَصِيبِهِمْ فَتَرْكُهَا أَفْضَلُ ) لِمَا فِيهِ مِنَ الصِّلَةِ وَالصَّدَقَةِ عَلَيْهِمْ : قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ الصَدَقَةُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الْكَاشِحِ » ، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « لَا صَدَقَةَ وَذُو رَحِمٍ مُحْتَاجٌ » ، وَهُوَ كَمَا قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ » ; لِأَنَّهُ فَقِيرٌ فَيَكُونُ صَدَقَةً ، وَقَرِيبٌ فَيَكُونُ صِلَةً ، وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ أَوْ كَانُوا يَسْتَغْنُونَ بِمِيرَاثِهِمْ ، قِيلَ : الْوَصِيَّةُ أَوْلَى ، وَقِيلَ : يُخَيَّرُ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ صَدَقَةٌ أَوْ مَبَرَّةٌ وَتَرْكُهَا صِلَةٌ وَالْكُلُّ خَيْرٌ . قَالَ : ( وَتَصِحُّ لِلْحَمْلِ بِهِ وَبِأُمِّهِ دُونَهُ ) أَمَّا لِلْحَمْلِ فَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ اسْتِخْلَافٌ لِلْمُوصَى لَهُ فِي الْمَالِ الْمُوصَى بِهِ ، وَالْحَمْلُ أَهْلٌ لِذَلِكَ كَمَا فِي الْمِيرَاثِ وَالْوَصِيَّةُ أُخْتُهُ ، إِلَّا أَنَّهَا تَبْطُلُ بِالرُّجُوعِ ; لِأَنَّ الْمِلْكَ إِنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ ، بِخِلَافِ الْهِبَةِ ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ لِلْحَالِ ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ نَقْلُ الْمِلْكِ عَنْهُ فَلَا يَنْتَقِلُ ، ثُمَّ إِنْ كَانَ الزَّوْجُ مَيِّتًا ، فَإِنْ وَلَدَتْ لِأَقَلِّ مِنْ سَنَتَيْنِ وَانْفَصَلَ حَيًّا جَازَتْ ، وَإِنِ انْفَصَلَ مَيِّتًا لَمْ تَجُزْ ; لِأَنَّهُ يُحَالُ بِالْعُلُوقِ إِلَى أَبْعَدِ الْأَوْقَاتِ حَمْلًا لِأَمْرِهَا عَلَى الصَّلَاحِ ، وَلِهَذَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ إِلَى سَنَتَيْنِ ، وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ حَيًّا فَوَلَدَتْهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ ; لِأَنَّ فِي الْوَطْءِ الْحَلَالِ يُحَالُ بِالْعُلُوقِ إِلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَيَقَّنُ بِوُجُودِ الْحَمْلِ وَقْتَ الْوَصِيَّةِ إِلَّا إِذَا
الاختيار لتعليل المختار — صفحة 64 | عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي الحنفي / محمود أبو دقيقة