تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاختيار لتعليل المختار — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
شرح
- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ » فَلَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ وَلَا يَحْجُبُ ، فَإِنْ مَاتَ وَتَرَكَ وَفَاءً أُدِّيَ عَنْهُ بَدَلُ الْكِتَابَةِ وَالْبَاقِي لِوَرَثَتِهِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي بَابِهِ ، وَالْمُسْتَسْعَى كَالْمُكَاتَبِ عِنْدَهُ ، وَقَدْ مَرَّ فِي الْعِتْقِ . وَأَمَّا الْكُفْرُ ، فَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى ، لَا يَرِثُ كَافِرٌ مِنْ مُسْلِمٍ ، وَلَا مُسْلِمٌ مِنْ كَافِرٍ » ، وَالْكُفْرُ كُلُّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ يَرِثُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَإِنِ اخْتَلَفَتْ شَرَائِعُهُمْ . رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ : الْكُفْرُ كُلُّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ وَلِأَنَّ الْكُفْرَ كُلَّهُ ضَلَالٌ وَهُوَ ضِدُّ الْإِسْلَامِ فَيُجْعَلُ مِلَّةً وَاحِدَةً ، وَيَتَوَارَثُونَ بِمَا يَتَوَارَثُ بِهِ أَهْلُ الْإِسْلَامِ مِنَ الْأَسْبَابِ إِلَّا الْأَنْكِحَةَ الْبَاطِلَةَ ، وَاخْتِلَافُ الدَّارَيْنِ حَقِيقَةً أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ دَارٍ مَلِكٌ عَلَى حِدَةٍ وَيَرَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِتَالَ الْآخَرِ كَالرُّومِ وَالصِّينِ ; لِأَنَّ عِنْدَ ذَلِكَ تَكُونُ الْوَلَايَةُ مُنْقَطِعَةً فِيمَا بَيْنَهُمْ كَدَارِ الْإِسْلَامِ وَدَارِ الْحَرْبِ . أَهْلُ الذِّمَّةِ وَأَهْلُ الْحَرْبِ لَا تَوَارُثَ بَيْنَهُمْ ، سَوَاءٌ كَانَ الْحَرْبِيُّ فِي دَارِهِمْ أَوْ مُسْتَأْمَنًا عِنْدَنَا لَا يَرِثُ الذِّمِّيَّ وَلَا يَرِثُهُ الذِّمِّيُّ لِانْقِطَاعِ الْوَلَايَةِ فِيمَا بَيْنَ أَهْلِ الدَّارَيْنِ ; 1 لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ بَاقٍ عَلَى حُكْمِ حَرْبِهِ فَإِنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنَ الْعَوْدِ إِلَى دَارِهِ ، وَهَذَا مَعْنَى اخْتِلَافِ الدَّارَيْنِ حُكْمًا ، وَإِذَا مَاتَ الْمُسْتَأْمَنُ عِنْدَنَا وَتَرَكَ مَالًا يَجِبُ أَنْ نَبْعَثَهُ إِلَى وَرَثَتِهِ وَفَاءً بِمُقْتَضَى الْأَمَانِ ، وَمَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلَا وَارِثَ لَهُ فَمَالُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّهُ لَا مُسْتَحِقَّ لَهُ ، وَمِيرَاثُ الْمُرْتَدِّ وَأَحْكَامُهُ مَرَّ فِي السِّيَرِ . وَأَمَّا الْقَتْلُ فَالْقَاتِلُ مُبَاشَرَةً بِغَيْرِ حَقٍّ لَا يَرِثُ مِنْ مَقْتُولِهِ عَمْدًا كَانَ أَوْ خَطَأً لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « لَا مِيرَاثَ لِقَاتِلٍ بَعْدَ صَاحِبِ الْبَقَرَةِ » مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ ، وَقَتْلُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْمَعْتُوهِ وَالْمُبَرْسَمِ وَالْمُوَسْوَسِ لَا يُوجِبُ حِرْمَانَ الْمِيرَاثِ لِأَنَّ الْحِرْمَانَ ثَبَتَ جَزَاءَ قَتْلٍ مَحْظُورٍ ، وَفِعْلُ هَؤُلَاءِ لَيْسَ بِمَحْظُورٍ لِقُصُورِ الْخِطَابِ عَنْهُمْ فَصَارَ كَالْقَتْلِ بِحَقٍّ ، وَالْحَدِيثُ خُصَّ عَنْهُ الْقَتْلُ بِحَقٍّ فَتُخَصُّ هَذِهِ الصُّوَرُ بِظَاهِرِ آيَاتِ الْمَوَارِيثِ ، وَظَاهِرُ الْآيَاتِ أَقْوَى مِنْ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ . وَالتَّسْبِيبُ إِلَى الْقَتْلِ لَا يَحْرِمُ الْمِيرَاثَ كَحَافِرِ الْبِئْرِ وَوَاضِعِ الْحَجَرِ وَصَبِّ الْمَاءِ فِي الطَّرِيقِ وَنَحْوِهِ ; لِأَنَّ حِرْمَانَ الْمِيرَاثِ يَتَعَلَّقُ بِالْقَتْلِ حَقِيقَةً وَالتَّسْبِيبُ لَيْسَ قَتْلًا حَقِيقَةً لِأَنَّ الْقَتْلَ مَا يَحِلُّ فِي الْحَيِّ فَيُؤَثِّرُ فِي انْزِهَاقِ الرُّوحِ ، وَالتَّسْبِيبُ لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ فِعْلٌ فِي غَيْرِهِ تَعَدَّى أَثَرُهُ إِلَيْهِ ، وَصَارَ كَمَنْ أَوْقَدَ نَارًا فِي دَارِهِ فَأَحْرَقَ دَارَ جَارِهِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، وَكُلُّ قَتْلٍ أَوْجَبَ الْقِصَاصَ أَوِ الْكَفَّارَةَ كَانَ مُبَاشَرَةً فَيُحْرَمُ بِهِ الْمِيرَاثُ ، وَمَا لَا يُوجِبُ ذَلِكَ فَهُوَ تَسْبِيبٌ لَا يَحْرِمُ الْمِيرَاثَ ، وَالرَّاكِبُ مُبَاشِرٌ لِأَنَّ ثِقْلَهُ وَثِقْلَ الدَّابَّةِ اتَّصَلَ بِالْمَقْتُولِ فَكَأَنَّهُمَا وَطِئَاهُ جَمِيعًا ، وَالنَّائِمُ يَنْقَلِبُ عَلَى مُورِثِهِ فَيَقْتُلُهُ مُبَاشِرًا ، وَالْقَائِدُ وَالسَّائِقُ مُسَبِّبٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَّصِلْ ثِقْلُهُ بِالْمَقْتُولِ فَلَا يَكُونُ مُبَاشِرًا ، وَفِي قَتْلِ الْبَاغِي الْعَادِلَ وَعَكْسِهِ تَفْصِيلٌ وَخِلَافٌ عُرِفَ فِي السِّيَرِ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى .