كِتَابُ الْإِقْرَارِ
شرح
لَا تُسْمَعُ مِثْلُ هَذِهِ الدَّعْوَى وَهُوَ تَلْبِيسٌ مَحْضٌ ، وَحُضُورُهُ عِنْدَ الْبَيْعِ وَتَرْكُ الْمُنَازَعَةِ إِقْرَارٌ مِنْهُ أَنَّهُ مِلْكُ الْبَائِعِ ، وَجُعِلَ سُكُوتُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَالْإِيضَاحِ بِالْإِقْرَارِ قَطْعًا لِلْأَطْمَاعِ الْفَاسِدَةِ لِأَهْلِ الْعَصْرِ فِي الْإِضْرَارِ بِالنَّاسِ ، وَلَوْ بَاعَ ضَيْعَةً ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهَا كَانَتْ وَقْفًا عَلَيْهِ لَا تُسْمَعَ لِلتَّنَاقُضِ ؛ لِأَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى الْبَيْعِ إِقْرَارٌ بِالْمِلْكِ ، وَلَيْسَ لَهُ تَحْلِيفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَلَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ ، قِيلَ : تُقْبَلُ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْوَقْفِ تُقْبَلُ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى وَيُنْقَضُ الْبَيْعُ ، وَقِيلَ : لَا تُقْبَلُ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ فَسَادَ الْبَيْعِ وَحَقًّا لِنَفْسِهِ فَلَا تُسْمَعْ لِلتَّنَاقُضِ ، وَلَوْ رَدَّ الْجَارِيَةَ بِعَيْبٍ فَأَنْكَرَ الْبَائِعُ الْبَيْعَ فَأَقَامَ الْمُشْتَرِي الْبَيِّنَةَ عَلَى الشِّرَاءِ وَأَقَامَ الْبَائِعُ أَنَّهُ قَدْ بَرَأَ إِلَيْهِ مِنَ الْعَيْبِ لَمْ تُقْبَلْ ؛ لِأَنَّ جُحُودَهُ الْبَيْعَ إِنْكَارٌ لِلْبَرَاءَةِ فَيَكُونُ مُكَذِّبًا شُهُودَهُ ، وَلَوْ أَنْكَرَ النِّكَاحَ ثُمَّ ادَّعَاهُ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ عَلَى ذَلِكَ ، وَفِي الْبَيْعِ لَا تُقْبَلُ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ انْفَسَخَ بِالْإِنْكَارِ ، وَالنِّكَاحُ لَا ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوِ ادَّعَى تَزْوِيجًا عَلَى أَلْفٍ فَأَنْكَرَتْ فَأَقَامَتِ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَلْفَيْنِ قُبِلَتْ ، وَلَا يَكُونُ إِنْكَارُهَا تَكْذِيبًا لِلشُّهُودِ ؟ وَفِي الْبَيْعِ لَا تُقْبَلُ وَيَكُونُ تَكْذِيبًا لِلشُّهُودِ .
[ كِتَابُ الْإِقْرَارِ ]
وَهُوَ فِي الْأَصْلِ : التَّسْكِينُ وَالْإِثْبَاتُ ، وَالْقَرَارُ : السُّكُونُ وَالثَّبَاتُ ، يُقَالُ : قَرَّ فُلَانٌ بِالْمَنْزِلِ إِذَا سَكَنَ وَثَبَتَ ، وَقَرَّرْتُ عِنْدَهُ كَذَا : أَيْ أَثْبَتُّهُ عِنْدَهُ ، وَقَرَارُ الْوَادِي : مُطْمَئَنُّهُ الَّذِي يَثْبُتُ فِيهِ الْمَاءُ ، وَيُقَالُ : اسْتَمَرَّ الْأَمْرُ عَلَى كَذَا : أَيْ ثَبَتَ عَلَيْهِ ، وَسُمِّيَتْ أَيَّامُ مِنَى أَيَّامَ الْقَرِّ لِأَنَّهُمْ يَثْبُتُونَ بِهَا وَيَسْكُنُونَ عَنْ سَفَرِهِمْ وَحَرَكَتِهِمْ هَذِهِ الْأَيَّامَ ، وَمِنْهُ الدُّعَاءُ : أَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ إِذَا أَعْطَاهُ مَا يَكْفِيهِ فَسَكَنَتْ نَفْسُهُ وَلَا تَطْمَحُ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ .
وَفِي الشَّرْعِ : اعْتِرَافٌ صَادِرٌ مِنَ الْمُقِرِّ يَظْهَرُ بِهِ حَقٌّ ثَابِتٌ فَيَسْكُنُ قَلْبَ الْمُقَرِّ لَهُ إِلَى ذَلِكَ ، وَهُوَ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ ، دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَضَرْبٌ مِنَ الْمَعْقُولِ .
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى : { كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ } [ النساء : 135 ] وَالشَّهَادَةُ عَلَى النَّفْسِ إِقْرَارٌ ، فَلَوْلَا أَنَّ الْإِقْرَارَ حُجَّةٌ لَمَا أُمِرَ بِهِ ، وقَوْله تَعَالَى : { وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ } [ البقرة : 282 ] وَأَنَّهُ إِقْرَارٌ عَلَى نَفْسِهِ . وَالسُّنَّةُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « وَاغْدُ أَنْتَ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا » ، وَرَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَاعَزًّا وَالْغَامِدِيَّةَ بِالْإِقْرَارِ ، وَعَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ ؛ وَلِأَنَّهُ خَبَرٌ صَدَرَ عَنْ صِدْقٍ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ ، إِذِ الْمَالُ مَحْبُوبٌ