تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاختيار لتعليل المختار — صفحة 67

مساهمون:

ص٦٧
وَلَا يَجُوزُ إِحْيَاءُ مَا قَرُبَ مِنَ الْعَامِرِ . وَمَنْ حَجَّرَ أَرْضًا ثَلَاثَ سِنِينَ ، فَلَمْ يَزْرَعْهَا - دَفَعَهَا الْإِمَامُ إِلَى غَيْرِهِ .
شرح
إِحْيَاؤُهُ ؛ لِأَنَّهُ حَقُّهُمْ . وَيُشْتَرَطُ فِي الْإِحْيَاءِ إِذْنُ الْإِمَامِ ، وَقَالَا : لَا يُشْتَرَطُ ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ ، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ » ، وَلِأَنَّهُ مُبَاحٌ سَبَقَتْ يَدُهُ إِلَيْهِ كَالصَّيْدِ . وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « لَيْسَ لِلْمَرْءِ إِلَّا مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُ إِمَامِهِ » ، وَالْمُرَادُ بِهِ فِي الْمُبَاحَاتِ ، إِلَّا أَنَّ الْحَطَبَ وَالْحَشِيشَ وَالْمَاءَ خُصَّ عَنْهُ بِالْحَدِيثِ ، فَبَقِيَ الْبَاقِي عَلَى الْأَصْلِ . وَحَدِيثُهُمَا مَحْمُولٌ عَلَى الْإِذْنِ لِقَوْمٍ مَخْصُوصِينَ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ ، وَلِأَنَّهُ وَصَلَ إِلَى يَدِ الْمُسْلِمِينَ بِالْقِتَالِ وَالْغَلَبَةِ فَيَكُونُ غَنِيمَةً ، وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ بِدُونِ إِذْنِ الْإِمَامِ كَسَائِرِ الْغَنَائِمِ . وَالْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ سَوَاءٌ ; لِأَنَّ الْإِحْيَاءَ سَبَبُ الْمِلْكِ ، فَيَسْتَوِيَانِ فِيهِ كَسَائِرِ الْأَسْبَابِ . وَيَجِبُ فِيهَا الْعُشْرُ عَلَى الْمُسْلِمِ ، وَالْخَرَاجُ عَلَى الذِّمِّيِّ ؛ لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ وَضْعٍ ، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مَا يَلِيقُ بِهِ . وَإِنْ سَقَاهُ بِمَاءِ الْخَرَاجِ يُعْتَبَرُ بِالْمَاءِ . وَالْإِحْيَاءُ أَنْ يَبْنِيَ فِيهَا بِنَاءً ، أَوْ يَزْرَعَ فِيهَا زَرْعًا ، أَوْ يَجْعَلَ لِلْأَرْضِ مُسَنَّاةً وَنَحْوَ ذَلِكَ . وَيَكُونُ لَهُ مَوْضِعُ الْبِنَاءِ وَالزَّرْعُ دُونَ غَيْرِهِ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : إِنْ عَمَّرَ أَكْثَرَ مِنَ النِّصْفِ كَانَ إِحْيَاءً لِجَمِيعِهَا ، وَإِنْ عَمَّرَ نِصْفَهَا لَهُ مَا عَمَّرَ دُونَ الْبَاقِي . وَذَكَرَ ابْنُ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ : إِنْ حَفَرَ فِيهَا بِئْرًا ، أَوْ سَاقَ إِلَيْهَا مَاءً - فَقَدْ أَحْيَاهَا زَرَعَ ، أَوْ لَمْ يَزْرَعْ . وَلَوْ شَقَّ فِيهَا أَنْهَارًا لَمْ يَكُنْ إِحْيَاءً إِلَّا أَنْ يَجْرِيَ فِيهَا مَاءٌ فَيَكُونَ إِحْيَاءً . ( وَلَا يَجُوزُ إِحْيَاءُ مَا قَرُبَ مِنَ الْعَامِرِ ) ؛ لِمَا بَيَّنَّا . وَمَنْ أَحْيَا مَوَاتًا ، ثُمَّ أَحَاطَ الْإِحْيَاءَ بِجَوَانِبِهِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى التَّعَاقُبِ - فَطَرِيقُ الْأَوَّلِ فِي الْأَرْضِ مِنَ الرَّابِعَةِ ؛ لِتَعَيُّنِهَا . رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدٍ . وَمَنْ أَحْيَا مَوَاتًا ، ثُمَّ تَرَكَهَا ، فَزَرَعَهَا آخَرُ - قِيلَ : هِيَ لِلثَّانِي ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مَلَكَ اسْتِغْلَالَهَا لَا رَقَبَتَهَا ، وَقِيلَ : هِيَ لِلْأَوَّلِ ، وَهُوَ الْأَصَحُّ ؛ لِأَنَّهَا مِلْكُهُ بِلَامِ الْمِلْكِ فِي الْحَدِيثِ . قَالَ : ( وَمَنْ حَجَّرَ أَرْضًا ثَلَاثَ سِنِينَ ، فَلَمْ يَزْرَعْهَا - دَفَعَهَا الْإِمَامُ إِلَى غَيْرِهِ ) ؛ لِأَنَّ التَّحْجِيرَ لَيْسَ بِإِحْيَاءٍ ، وَالْإِمَامُ دَفَعَهَا ؛ لِتَحْصِيلِ الْمَصْلَحَةِ مِنَ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ دَفَعَهَا إِلَى غَيْرِهِ لِيَحْصُلَ . وَسُمِّيَ تَحْجِيرًا ؛ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مِنَ الْحَجْرِ ، وَهُوَ الْمَنْعُ ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ غَيْرَهُ عَنْهَا . الثَّانِي : أَنَّهُمْ يَضَعُونَ الْأَحْجَارَ حَوْلَهَا تَعْلِيمًا لِحُدُودِهَا ؛ لِئَلَّا يَشْرَكَهُمْ فِيهَا أَحَدٌ . وَالتَّحْجِيرُ أَنْ يُعَلِّمَهَا بِعَلَامَةٍ ، بِأَنْ وَضَعَ الْحِجَارَةَ أَوْ غَرَسَ حَوْلَهَا أَغْصَانًا يَابِسَةً ، أَوْ قَلَعَ الْحَشِيشَ أَوْ أَحْرَقَ الشَّوْكَ وَنَحْوَهُ ، فَإِنَّهُ تَحْجِيرٌ . وَهُوَ اسْتِيَامٌ وَلَيْسَ بِإِحْيَاءٍ ، وَلِهَذَا لَوْ أَحْيَاهَا غَيْرُهُ قَبْلَ ثَلَاثِ سِنِينَ مَلَكَهَا ؛ لِأَنَّهُ أَحْيَاهَا . كَمَا يُكْرَهُ السَّوْمُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ ، وَلَوْ عَقَدَ جَازَ الْعَقْدُ . وَالتَّقْدِيرُ بِثَلَاثِ سِنِينَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإِنَّهُ قَالَ : مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ