تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاختيار لتعليل المختار — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
وَمَنْ غَصَبَ شَيْئًا فَعَلَيْهِ رَدُّهُ فِي مَكَانِ غَصْبِهِ . فَإِنْ هَلَكَ وَهُوَ مِثْلِيٌّ فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلِيًّا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ غَصْبِهِ . وَإِنْ نَقَصَ ضَمِنَ النُّقْصَانَ ، وَإِذَا انْقَطَعَ تَجِبُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْقَضَاءَ ( سم ) .
شرح
أَوْ سَاقَهَا ، فَهَلَكَتْ - كَانَ غَاصِبًا ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ الْيَدَ الْمُبْطِلَةَ الْمُفَوِّتَةَ . وَلَوْ جَلَسَ عَلَى بِسَاطِ الْغَيْرِ ، أَوْ هَبَّتِ الرِّيحُ بِثَوْبِ إِنْسَانٍ ، فَأَلْقَتْهُ فِي حِجْرِهِ - لَا يَكُونُ غَاصِبًا مَا لَمْ يَنْقُلْهُ أَوْ يُمْسِكْهُ ، وَهُوَ تَصَرُّفٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ حَرَامٌ ؛ لِكَوْنِهِ تَصَرُّفًا فِي مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ رِضَاهُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } [ النساء : 29 ] ، وَلِأَنَّ حُرْمَةَ مَالِ الْمُسْلِمِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ . قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ : دَمُهُ ، وَعِرْضُهُ ، وَمَالُهُ » . وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ » ، وَعَلَى حُرْمَتِهِ بِالْإِجْمَاعِ ، وَهُوَ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ عَقْلًا ؛ لِأَنَّ الظُّلْمَ حَرَامٌ عَقْلًا عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ . وَالْغَصْبُ عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ إِثْمٌ ، وَهُوَ مَا وَقَعَ عَنْ جَهْلٍ كَمَنْ أَتْلَفَ مَالَ الْغَيْرِ ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ مِلْكُهُ . أَوْ مَلَكُهُ مِمَّنْ هُوَ فِي يَدِهِ ، وَتَصَرَّفَ فِيهِ ، وَاسْتَهْلَكَهُ ، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ - فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ . قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ » ، الْحَدِيثَ . مَعْنَاهُ الْإِثْمُ . وَالثَّانِي : يَتَعَلَّقُ بِهِ الْإِثْمُ ، وَهُوَ مَا يَأْخُذُهُ عَلَى وَجْهِ التَّعَدِّي ، فَإِنَّهُ يَأْثَمُ بِأَخْذِهِ وَإِمْسَاكِهِ . قَالَ : ( وَمَنْ غَصَبَ شَيْئًا فَعَلَيْهِ رَدُّهُ فِي مَكَانِ غَصْبِهِ ) ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذْتَ حَتَّى تَرُدَّ » ، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « لَا يَأْخُذْ أَحَدُكُمْ مَتَاعَ أَخِيهِ لَا جَادًّا وَلَا لَاعِبًا ، فَإِذَا أَخَذَ أَحَدُكُمْ عَصَا أَخِيهِ فَلْيَرُدَّهَا عَلَيْهِ » ، وَلِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ رَفْعُ الظُّلْمِ ، وَذَلِكَ بِمَا ذَكَرْنَا . وَيَرُدُّهُ فِي مَكَانِ غَصْبِهِ ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ تَتَفَاوَتُ بِتَفَاوُتِ الْأَمَاكِنِ ، وَالْأَعْدَلُ مَا ذَكَرْنَا . قَالَ : ( فَإِنْ هَلَكَ ، وَهُوَ مِثْلِيٌّ - فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ ) ، قَالَ تَعَالَى : { فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } [ البقرة : 194 ] . وَلِأَنَّ الْمِثْلَ أَعْدَلُ ؛ لِوُجُودِ الْمَالِيَّةِ وَالْجِنْسِ . ( وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلِيًّا ) كَالْحَيَوَانِ وَالْعَدَدِيِّ الْمُتَفَاوِتِ وَالْمَزْرُوعِ ( فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ غَصْبِهِ ) ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ تَقُومُ مَقَامَ الْعَيْنِ مِنْ حَيْثُ الْمَالِيَّةِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْمُمَاثَلَةِ دَفْعًا لِلظُّلْمِ وَإِيصَالًا لِلْحَقِّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ . وَسَوَاءٌ عَجَزَ عَنْ رَدِّهِ بِفِعْلِهِ أَوْ فِعْلِ غَيْرِهِ ، أَوْ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ ؛ لِأَنَّهُ بِالْغَصْبِ صَارَ مُتَعَدِّيًا ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ الرَّدُّ وَقَدِ امْتَنَعَ فَيَجِبُ الضَّمَانُ ، وَتَجِبُ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْغَصْبِ ؛ لِأَنَّهُ السَّبَبُ ، وَبِهِ يَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ . ( وَإِنْ نَقَصَ ضَمِنَ النُّقْصَانَ ) اعْتِبَارًا لِلْجُزْءِ بِالْكُلِّ . ( و ) أَمَّا الْمِثْلِيُّ ( إِذَا انْقَطَعَ تَجِبُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْقَضَاءِ ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يَوْمَ الْغَصْبِ . وَقَالَ مُحَمَّدٌ : يَوْمَ الِانْقِطَاعِ ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْمِثْلُ ، وَيَنْتَقِلُ إِلَى الْقِيمَةِ بِالِانْقِطَاعِ فَيُعْتَبَرُ يَوْمَئَذٍ . وَلِأَبِي يُوسُفَ : أَنَّهُ لَمَّا انْقَطَعَ الْتَحَقَ بِذَوَاتِ الْقِيَمِ ، فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ ؛ إِذْ هُوَ السَّبَبُ الْمُوجِبُ . وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الِانْتِقَالَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي لَا بِالِانْقِطَاعِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَتَخَاصَمَا حَتَّى عَادَ الْمِثْلُ وَجَبَ . فَإِذَا قَضَى الْقَاضِي تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ عِنْدَهُ بِخِلَافِ ذَوَاتِ