وَهِيَ أَمَانَةٌ ، وَتَصِحُّ بِقَوْلِهِ : أَعَرْتُكَ وَأَطْعَمْتُكَ هَذِهِ الْأَرْضَ ، وَأَخْدَمْتُكَ هَذَا الْعَبْدَ ، وَمَنَحْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ ، وَحَمَلْتُكَ عَلَى هَذِهِ الدَّابَةِ - إِذَا لَمْ يُرِدْ بِهِمَا الْهِبَةَ . وَدَارِي لَكَ سُكْنَى أَوْ سُكْنَى عُمْرَى ، وَلِلْمُسْتَعِيرِ أَنْ يُعِيرَهَا إِنْ لَمْ يَخْتَلِفْ بِاخْتِلَافِ الْمُسْتَعْمِلِينَ ، وَلَيْسَ لَهُ إِجَارَتُهَا ؛ فَإِنْ آجَرَهَا ، فَهَلَكَتْ - ضَمِنَ .
شرح
قَرْضًا كَاسْتِعَارَةِ الْحُلِيِّ .
قَالَ : ( وَهِيَ أَمَانَةٌ ) لَا يَضْمَنُهَا مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ . قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ غَيْرِ الْمُغِلِّ ضَمَانٌ » ، وَلِأَنَّهُ قَبَضَهُ مِنْ يَدِ الْمَالِكِ لَا عَلَى وَجْهِ الضَّمَانِ ; لِأَنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِي تَمْلِيكَ الْمَنَافِعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ لُغَةً وَشَرْعًا ؛ لِمَا بَيَّنَّا ، فَلَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا .
وَتَأْوِيلُ مَا رُوِيَ « أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اسْتَعَارَ دُرُوعًا مِنْ صَفْوَانَ ، فَقَالَ : أَغَصْبًا تَأْخُذُهَا يَا مُحَمَّدُ ؟ فَقَالَ : لَا ، بَلْ عَارِيَةٌ مُؤَدَّاةٌ مَضْمُونَةٌ » أَيْ وَاجِبَةُ الرَّدِّ مَضْمُونَةٌ بِمَئُونَةِ الرَّدِّ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ .
قَالَ : ( وَتَصِحُّ بِقَوْلِهِ : أَعَرْتُكَ ) ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِيهِ . ( وَأَطْعَمْتُكَ هَذِهِ الْأَرْضَ ) ؛ لِلِاسْتِعْمَالِ فِيهِ ، ( وَأَخْدَمْتُكَ هَذَا الْعَبْدَ ) ; لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْعَبْدِ خِدْمَتُهُ ، وَقَدْ أَذِنَ لَهُ فِي اسْتِخْدَامِهِ .
( وَمَنَحْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ ، وَحَمْلَتُكَ عَلَى هَذِهِ الدَّابَّةِ إِذَا لَمْ يُرِدْ بِهِمَا الْهِبَةَ ) ؛ لِمَا مَرَّ فِي الْهِبَةِ . ( وَدَارِي لَكَ سُكْنَى ) ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ سُكْنَاهَا لَكَ ، ( أَوْ سُكْنَى عُمْرَى ) ، أَيْ سُكْنَاهَا لَكَ عُمُرَكَ .
قَالَ : ( وَلِلْمُسْتَعِيرِ أَنْ يُعِيرَهَا إِنْ لَمْ يَخْتَلِفْ بِاخْتِلَافِ الْمُسْتَعْمِلِينَ ، وَلَيْسَ لَهُ إِجَارَتُهَا ) ; لِأَنَّهُ مَلَكَ الْمَنَافِعَ ، فَيُمَلِّكُهَا غَيْرَهُ كَالْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ عَلَى مَا مَرَّ .
ثُمَّ الْعَارِيَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ :
أَحَدُهَا : أَنْ تَكُونَ مُطْلَقَةً فِي الْوَقْتِ وَالِانْتِفَاعِ ، كَمَنِ اسْتَعَارَ دَابَّةً أَوْ ثَوْبًا ، وَلَمْ يُبَيِّنْ وَقْتًا مَعْلُومًا وَلَا عَيَّنَ مَنْ يَسْتَعْمِلُهُ - فَلَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ ، فِي أَيِّ مَنْفَعَةٍ شَاءَ . وَيُرْكِبَ وَيُلْبِسَ غَيْرَهُ عَمَلًا بِالْإِطْلَاقِ ، فَلَوْ رَكِبَ هُوَ ، أَوْ لَبِسَ - لَيْسَ لَهُ أَنْ يُرْكِبَ غَيْرَهُ وَلَا يُلْبِسَهُ . وَكَذَا لَوْ رَكِبَ غَيْرُهُ لَا يَرْكَبُ هُوَ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي الْإِجَارَةِ .
وَالثَّانِي : أَنْ تَكُونَ مُقَيَّدَةً فِيهِمَا بِأَنِ اسْتَعَارَهُ يَوْمًا ؛ لِيَسْتَعْمِلَهُ بِنَفْسِهِ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُرْكِبَ غَيْرَهُ وَلَا يُلْبِسَهُ غَيْرَهُ ؛ لِاخْتِلَافِ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْمُسْتَعْمِلِينَ ، وَلَهُ أَنْ يُعِيرَهَا لِلْحَمْلِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَفَاوَتُ . وَكَذَا لَهُ أَنْ يُعِيرَ الْعَبْدَ وَالدَّارَ ؛ لِعَدَمِ التَّفَاوُتِ .
وَالثَّالِثُ : إِذَا كَانَتْ مُطْلَقَةً فِي الْوَقْتِ مُقَيَّدَةً فِي الِانْتِفَاعِ بِأَنِ اسْتَعَارَهَا ؛ لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا حِنْطَةً - فَلَهُ أَنْ يَحْمِلَ الْحِنْطَةَ مَتَى شَاءَ .
وَالرَّابِعُ : إِذَا كَانَتْ مُقَيَّدَةً فِي الْوَقْتِ مُطْلَقَةً فِي الِانْتِفَاعِ ، بِأَنِ اسْتَعَارَ دَابَّةً يَوْمًا ، وَلَمْ يُسَمِّ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا - فَلَهُ أَنْ يَحْمِلَ مَا شَاءَ فِي الْيَوْمِ . فَإِنْ أَمْسَكَهَا بَعْدَ الْوَقْتِ ضَمِنَ إِنِ انْتَفَعَ بِهَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي ، وَقِيلَ : يَضْمَنُ بِمُجَرَّدِ الْإِمْسَاكِ ؛ لِأَنَّهُ أَمْسَكَ مَالَ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ . وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْوَقْتِ وَالْمَكَانِ ، وَمَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا - فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُعِيرِ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ مِنْهُ يُسْتَفَادُ ، فَيَثْبُتُ بِقَدْرِ مَا أَقَرَّ بِهِ ، وَمَا زَادَ فَالْمُسْتَعِيرُ مُسْتَعْمِلٌ فِيمَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَيَضْمَنُ .
قَالَ : ( فَإِنْ آجَرَهَا ، فَهَلَكَتْ - ضَمِنَ ) ؛