ثُمَّ يُقِيمُ بِمَكَّةَ حَرَامًا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ مَا شَاءَ ، ثُّمَ يَخْرُجُ غَدَاةَ التَّرْوِيَةِ إِلَى مِنًى فَيَبِيتُ بِهَا حَتَّى يُصَلِّيَ الْفَجْرَ يَوْمَ عَرَفَةَ ، ثُّمَ يَتَوَجَّهُ إِلَى عَرَفَاتٍ ، فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ تَوَضَّأَ أَوِ اغْتَسَلَ ، فَإِنْ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ ،
شرح
فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ يَوْمَ النَّحْرِ يَوْمُ اشْتِغَالٍ بِالذَّبْحِ وَالرَّمْيِ وَغَيْرِهِ ، فَرُبَّمَا لَا يَتَفَرَّغُ لِلسَّعْيِ ; وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ خُرُوجِهِ إِلَى الصَّفَا : بِاسْمِ اللَّهِ ، وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ ، وَأَدْخِلْنِي فِيهَا ; وَيَقُولَ عَلَى الصَّفَا : اللَّهُ أَكْبَرُ ، اللَّهُ أَكْبَرُ ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ ، وَلَهُ الْحَمْدُ ، يُحْيِي وَيُمِيتُ ، وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، أَهْلُ التَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ ، فَلَهُ الْمُلْكُ ، وَلَهُ الْحَمْدُ . وَيَسْأَلُ حَوَائِجَهُ ; فَإِذَا نَزَلَ مِنَ الصَّفَا قَالَ : اللَّهُمَّ يَسِّرْ لِي الْيُسْرَى ، وَجَنِّبْنِي الْعُسْرَى ، وَاغْفِرْ لِي فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى ; وَيَقُولُ فِي السَّعْيِ : رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ ، وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمُ ، إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ ، وَيَسْتَكْثِرُ مِنْ قَوْلِ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ ; وَيَقُولُ عَلَى الْمَرْوَةِ مِثْلَ الصَّفَا .
قَالَ : ( ثُمَّ يُقِيمُ بِمَكَّةَ حَرَامًا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ مَا شَاءَ ) لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ ، وُخُصُوصًا لِلْآفَاقِيِّ ، وَيُصَلِّي لِكُلِّ طَوَافٍ رَكْعَتَيْنِ ، وَلَا يَسْعَى بَعْدَهُ لِمَا بَيَّنَّا .
قَالَ : ( ثُمَّ يَخْرُجُ غَدَاةَ التَّرْوِيَةِ ) وَهُوَ ثَامِنُ ذِي الْحِجَّةِ .
( إِلَى مِنًى ) فَيَنْزِلُ بِقُرْبِ مَسْجِدِ الْخَيْفِ .
( فَيَبِيتُ بِهَا حَتَّى يُصَلِّيَ الْفَجْرَ يَوْمَ عَرَفَةَ ) فَيُصَلِّي بِمِنًى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ ، هَكَذَا فَعَلَ جِبْرِيلُ بِإِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَهُوَ الْمَنْقُولُ مَنْ نُسُكِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذِهِ الْبَيْتُوتَةُ سُنَّةٌ ، وَلَوْ بَاتَ بِمَكَّةَ وَصَلَّى هَذِهِ الصَّلَوَاتِ بِهَا جَازَ ؛ لِأَنَّهُ لَا نُسُكَ بِمِنًى هَذَا الْيَوْمَ ، وَقَدْ أَسَاءَ لِمُخَالَفَتِهِ السُّنَّةَ ; وَيَقُولُ عِنْدَ نُزُولِهِ بِمِنًى : اللَّهُمَّ هَذِهِ مِنًى ، وَهِيَ مِمَّا مَنَنْتَ بِهَا عَلَيْنَا مِنَ الْمَنَاسِكِ ، فَامْنُنْ عَلَيَّ بِمَا مَنَنْتَ بِهِ عَلَى عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ .
قَالَ : ( ثُمَّ يَتَوَجَّهُ إِلَى عَرَفَاتٍ ) اقْتِدَاءً - بِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَلِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى أَدَاءِ فَرْضِ الْوُقُوفِ بِهَا فِي هَذَا الْيَوْمِ وَيَنْزِلُ بِهَا حَيْثُ شَاءَ .
( فَإِنْ زَالَتِ الشَّمْسُ تَوَضَّأَ وَاغْتَسَلَ ) لِأَنَّهُ يَوْمُ جَمْعٍ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ الْغُسْلُ ، وَقِيلَ : هُوَ سُنَّةٌ .
( فَإِنْ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ صَلَّى الظَّهْرَ وَالْعَصْرَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ ) فَقَدْ تَوَاتَرَ النَّقْلُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا . وَرَوَى جَابِرٌ بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ ، وَهُوَ أَنْ يُؤَذِّنَ وَيُقِيمَ لِلظُّهْرِ ثُمَّ يُقِيمَ لِلْعَصْرِ لِأَنَّهَا تُؤَدَّى فِي غَيْرِ وَقْتِهَا فَيُقِيمَ إِعْلَامًا لَهُمْ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقِمْ رُبَّمَا ظَنُّوا أَنَّهُ يَتَطَوَّعُ فَلَا يَشْرَعُونَ مَعَ الْإِمَامِ ، وَلَا يَتَطَوَّعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ لِأَنَّ الْعَصْرَ إِنَّمَا قُدِّمَتْ لِيُتَفَرَّغَ