تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاختيار لتعليل المختار — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
شرح
فَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَدَّرَهُ بِهِ ، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « لَيْسَ فِي أَقَلَّ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ صَدَقَةٌ » وَكَذَا وَرَدَ فِي سَائِرِ النُّصُبِ . وَأَمَّا خُلُوُّهُ عَنِ الدَّيْنِ فَلِأَنَّ الْمَشْغُولَ بِالدَّيْنِ مَشْغُولٌ بِالْحَاجَةِ الْأَصْلِيَّةِ ؛ لِأَنَّ فَرَاغَ ذِمَّتِهِ مِنَ الدَّيْنِ الْحَائِلِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ أَهَمُّ الْحَوَائِجِ ، فَصَارَ كَالطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ ، وَلِأَنَّ الْمِلْكَ نَاقِصٌ لِأَنَّ لِلْغَرِيمِ أَخْذَهُ مِنْهُ بِغَيْرِ قَضَاءٍ وَلَا رِضًا وَالزَّكَاةُ وَجَبَتْ شُكْرًا لِلنِّعْمَةِ الْكَامِلَةِ ، وَلِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ مَصْرِفًا لِلزَّكَاةِ بِقَوْلِهِ : { وَالْغَارِمِينَ } [ التوبة : 60 ] وَبَيْنَ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ وَجَوَازِ أَخْذِهَا تَنَافٍ وَصَارَ كَالْمُكَاتَبِ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ نِصَابٌ فَاضِلٌ عَنِ الدَّيْنِ زَكَّاهُ لِعَدَمِ الْمَانِعِ ، وَالْمُرَادُ دَيْنٌ لَهُ مُطَالِبٌ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ ، وَمَا لَا مُطَالِبَ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ لَا يَمْنَعُ كَالْكَفَّارَاتِ وَالنُّذُورِ وَوُجُوبِ الْحَجِّ وَنَحْوِهِ ، وَالنَّفَقَةُ مَا لَمْ يُقْضَ بِهَا لَا تَمْنَعُ ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي حُكْمِ الدَّيْنِ ، فَإِذَا قُضِيَ بِهَا صَارَتْ دَيْنًا فَمَنَعَتْ . وَاخْتَلَفُوا فِي دَيْنِ الزَّكَاةِ . قَالَ زُفَرُ : لَا يَمْنَعُ فِي الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا مُطَالِبَ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ لِأَنَّ الْأَدَاءَ لِلْمَالِكِ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : إِنْ كَانَ الدَّيْنُ فِي الذِّمَّةِ بِأَنِ اسْتَهْلَكَ مَالَ الزَّكَاةِ بَعْدَ الْحَوْلِ ، وَبَقِيَ فِي ذِمَّتِهِ ، وَمَلَكَ مَالًا آخَرَ ، فَإِنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ ، وَلَا يَمْنَعُ مَا فِي ذِمَّتِهِ مِنَ الْوُجُوبِ ، وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ فِي الْعَيْنِ كَمَنْ لَهُ نِصَابٌ فَمَضَى عَلَيْهِ سُنُونَ ، فَإِنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ لِجَمِيعِ مَا مَضَى مِنَ السِّنِينَ خِلَافًا لِزُفَرَ ; وَعِنْدَهُمَا لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْفَصْلَيْنِ ، وَيَمْنَعُ الدَّيْنُ سَوَاءً كَانَ فِي الذِّمَّةِ أَوْ فِي الْعَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ كَانَ لِلْإِمَامِ ، وَعُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَوَّضَهُ إِلَى الْمُلَّاكِ ، وَذَلِكَ لَا يُسْقِطُ حَقَّ طَلَبِ الْإِمَامِ حَتَّى لَوْ عَلِمَ أَنَّ أَهْلَ بَلْدَةٍ لَا يُؤَدُّونَ زَكَاتَهُمْ طَالَبَهُمْ بِهَا ، وَلَوْ مرَّ بِهَا عَلَى السَّاعِي كَانَ لَهُ أَخْذُهَا ، فَكَانَ لَهُ مُطَالِبٌ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ فَيَمْنَعُ ، وَالدَّيْنُ الْمُعْتَرِضِ فِي خِلَالِ الْحَوْلِ يَمْنَعُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ . وَالْمَهْرُ يَمْنَعُ مُؤَجَّلًا كَانَ أَوْ مُعَجَّلًا ; وَقِيلَ يَمْنَعُ الْمُعَجَّلُ دُونَ الْمُؤَجَّلِ . وَقَوْلُهُ : فَائِضًا عَنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « الْمَرْءُ أَحَقُّ بِكَسْبِهِ » وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « ابْدَأْ بِنَفْسِكَ » يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ تَقَدُّمِ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةَ وَهِيَ : دُورُ السُّكْنَى ، وَثِيَابُ الْبَدَنِ ، وَأَثَاثُ الْمَنْزِلِ ، وَسِلَاحُ الِاسْتِعْمَالِ ، وَدَوَابُّ الرُّكُوبِ ، وَكُتُبُ الْفُقَهَاءِ ، وَآلَاتُ الْمُحْتَرِفِينَ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي مَعَاشِهِ . وَأَمَّا الْمِلْكُ التَّامُّ فَاحْتِرَازٌ عَنْ مِلْكِ الْمُكَاتَبِ لِأَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ شُكْرًا لِلنِّعْمَةِ الْكَامِلَةِ ، وَأَنَّهَا نِعْمَةٌ نَاقِصَةٌ ، وَلِمَا رَوَى جَابِرٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : « لَيْسَ فِي مَالِ الْمُكَاتَبِ زَكَاةٌ حَتَّى يَعْتِقَ » وَقَوْلُهُ فِي طَرَفَيِ الْحَوَلِ ؛ لِأَنَّ الْحَوَلَ لَا بُدَّ مِنْهُ . قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ » . وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ التَّمَكُّنِ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي النِّصَابِ مُدَّةً يَحْصُلُ مِنْهُ النَّمَاءُ ، فَقَدَّرْنَاهُ بِالْحَوْلِ