تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نكت وتنبيهات في تفسير القرآن المجيد — صفحة 466

مساهمون:

ص٤٦٦
77 - { أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ } : خ : " لمّا ذَكَرَ دليلا من الآفاق على وجوب عبادته بقوله ( أَوَلَمْ يَرَوا انا خَلَقْنَا لَهُم مِّما عَملَتَ اَيْدِينَا أَنْعَاماً ) ، ذَكَر دليلا من الأنفس ، وهو أشمل وأكمل ، وأَتَمُّ وألزم ، إذْ لا يغيب أحد عن نفسِه . وقولُه ( مِن نُّطْفَةٍ ) إشارة إلى وجه الدلالة ، أي : خلق من نطفة متشابهة الأجزاء ، وهو مختلف الصور ، فدلّ على اختيار الفاعلِ وقدرتِه ، كقوله تعالى ( تُسْقى بمَاء واحدٍ ) ؛ وتَمَّمَ هذا المعنى بقوله ( فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ) ، أي : القوة الناطقة والقوة الفاهمة لا تقتضيهما النطفة ، فأنواع النطق والفهم أعجب وأغرب من أنواع الخلق والجسم ، فقوله ( خَصِيمٌ مُبِينٌ ) أي ناطق ، وإنما ذكر الخصيم مكان الناطق ؛ لأنه أعلى أحوال الناطق ، فإن الناطق مع نفسه لا يبين كلامه كما يبينه وهو متكلم مع غيره ، إذا لم يكن خصما لا يجتهد في البيان كما يجتهد إذا كان كلامه مع خصمه ؛ فقوله ( مُبِينٌ ) إشارة إلى قوة عقله ؛ لأن العاقلَ عند الإيهَام أعلى درجةً منه عند عدمه ، فقوله من ( نُطْفَة ) إشارة إلى أدنى ما كان عليه ؛ وقوله ( خَصِيمٌ مُبِينٌ ) إشارة إلى أعلى ما حصل عليه ، كقوله تعالى ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الانسَانَ مِن سُلَاَلَة مِّن طِين ) إلى قوله ( ثُمَّ أَنشَاْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ ) صَيَّرْناهُ ناطقا عاقلا ، كقوله هنا ( مُبِينٌ ) .