تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري — صفحة 8

مساهمون:

ص٨
ربه ) المحكي عنه في القرآن بقوله تعالى : { رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق } [ هود : 45 ] أي وعدتني أن تنجي أهلي من الغرق ، وسأل أن ينجيه من الغرق وفي نسخة لربه ( ما ليس له به علم ) حال من الضمير المضاف إليه في سؤاله أي صادرًا عنه بغير علم أو من المضاف أي متلبسًا لغير علم ، وربه مفعول سؤاله ، وكان يجب عليه أن لا يسأل كما قال تعالى : { فلا تسألني ما ليس لك به علم } [ هود : 46 ] أي ما شعرت من المراد بالأهل وهو : من آمن وعمل صالحًا وأن ابنك عمل غير صالح ( فيستحيي ) ولغير أبي ذر بياء واحدة وكسر الحاء ( فيقول : ائتوا خليل الرحمن ) إبراهيم عليه الصلاة والسلام ( فيأتونه فيقول : لست هناكم ائتوا موسى عبدًا كلمه الله وأعطاه التوراة فيأتونه فيقول : لست هناكم ويذكر قتل النفس بغير نفس فيستحيي من ربه ) ولغير أبي ذر : فيستحي بياء واحدة وكسر الحاء ولا يقدح ذلك في عصمته لكونه خطأ ، وإنما عدّه من عمل الشيطان وسماه ظلمًا واستغفر منه كما في الآية على عادتهم في استعظام محقرات فرطت منهم ( فيقول : ائتوا عيسى عبد الله ورسوله وكلمة الله ) لأنه وجد بأمره تعالى دون أبي ( وروحه ) أي ذا روح صدر منه لا بتوسط ما يجري مجرى الأصل والمادة له ، وقيل لأنه كان يحيي الأموات والقلوب ( فيقول ) : أي بعد ما يأتونه ( لست هناكم ائتوا محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) سقطت التصلية لغير أبي ذر ( عبدًا ) ، بالنصب ولأبي ذر عبد ( غفر الله له ما تقدم من ذنبه ) عن سهو وتأويل ( وما تأخر ) بالعصمة أو إنه مغفور له غير مؤاخذ بذنب لو وقع ( فيأتوني ) ولأبي ذر : فيأتونني بنونين وفيه إظهار شرف نبينا عليه الصلاة والسلام كما لا يخفى ( فأنطلق حتى أستأذن على ربي فيؤذن ) بالرفع عطفًا على أنطلق ، ولأبي ذر : فيؤذن بالنصب عطفًا على المنصوب في قوله حتى استأذن ( فإذا رأيت ربي وقعت ساجدًا فيدعني ما شاء ) ولغير أبي ذر ما شاء الله ( ثم يقال : ارفع رأسك ) وسقط لأبي ذر لفظة رأسك ( وسل ) بفتح السين من غير ألف وصل ( تعطه ) بهاء بعد الطاء ( وقل يسمع ) أي قوله ( واشفع تشفع ) أي تقبل شفاعتك ( فأرفع رأسي ) من السجود ( فأحمده ) تعالى ( تحميد يعلمنيه ) بضم الميم ( ثم أشفع فيحدّ لي ) بفتح الياء تعالى ( حدًّا ) أي يبين لي قومًا أشفع فيهم كان يقول : " شفعتك فيمن أخلّ بالصلاة " ( فأدخلهم الجنة ثم أعود إليه ) تعالى ( فإذا رأيت ربي مثله ) أي أفعل مثل ما سبق من السجود ورفع الرأس وغيره ( ثم أشفع ، فيحدّ لي حدًّا ) كأن يقول : شفعتك فيمن زنى أو فيمن شرب الخمر مثلًا ( فأدخلهم الجنّة ، ثم أعود الثالثة ، ثم أعود الرابعة فأقول ، ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ) أي حكم بحبسه أبدًا ( ووجب عليه الخلود ) وهم الكفار ( قال أبو عبد الله ) البخاري : ( إلا من حبسه القرآن يعني قول الله تعالى ) أي في الكفار : ( { خالدين فيها } ) [ آل عمران : 15 وغيرها ] وسقط لأبي ذر لفظ ( إلا من ) . واستشكل سياق هذا الحديث من جهة كون المطلوب الشفاعة للإراحة من موقف العرصات لما يحصل لهم من ذلك الكرب الشديد لا للإخراج من النار . وأجيب : بأنه قد انتهت حكاية الإراحة عند لفظ فيؤذن لي وما بعده هو زيادة على ذلك قاله الكرماني . وقال الطيبي : لعل المؤمنين صاروا فرقتين فرقة سيق بهم إلى النار من غير توقف ، وفرقة حبسوا في المحشر واستشفعوا به - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فخلصهم مما هم فيه وأدخلهم الجنة ، ثم شرع في شفاعة الداخلين النار زمرًا بعد زمر كما دل عليه قوله : فيحدّ لي حدًّا الخ فاختصر الكلام . وقال في فتوح الغيب : إيراد قصة واحدة في مقامات متعددة بعبارات مختلفة وأنحاء شتى بحيث لا تغيير ولا تناقض البتة من فصيح الكلام وبليغه ، وهو باب من الإيجاز المختص بالإعجاز ، ويحتاج في التوفيق إلى قانون يرجع إليه ، وهو أن يعمد إلى الاقتصاصات المتفرقة ويجعل لها أصل بأن يؤخذ من المباني ما هو أجمع للمعاني ، فما نقص من تلك المعاني شيء يلحق به انتهى . وقال في شرح المشكاة : أو يراد بالنار الحبس والكربة وما يكونون فيه من الشّدة ودنو الشمس إلى رؤوسهم
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري — صفحة 8 | أحمد بن محمد القسطلاني