وَأَبُو بَكْرٍ لَمْ يَكُنْ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ ( 1 ) نَصٌّ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، بَلْ كَانَ إِذَا تَبَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ لَمْ يُبَالِ بِمَنْ خَالَفَهُ . أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا نَازَعَهُ [ عُمَرُ ] ( 2 ) فِي قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ لِأَجْلِ الْخَوْفِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، وَنَازَعُوهُ فِي قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ ، وَنَازَعُوهُ فِي إِرْسَالِ جَيْشِ أُسَامَةَ - لَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِمْ ، بَلْ بَيَّنَ لَهُمْ دَلَالَةَ النَّصِّ عَلَى مَا فَعَلَهُ .
وَأَمَّا فِي الْأُمُورِ الْجُزْئِيَّةِ الَّتِي لَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَنْصُوصَةً ، بَلْ يُقْصَدُ بِهَا الْمَصْلَحَةُ ، فَهَذِهِ لَيْسَ هُوَ فِيهَا بِأَعْظَمَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ .
الْخَامِسُ : أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ مَا زَادَهُ عِنْدَ الْأُمَّةِ إِلَّا شَرَفًا وَتَعْظِيمًا ، وَلَمْ تُعَظِّمِ الْأُمَّةُ أَحَدًا بَعْدَ نَبِيِّهَا كَمَا عَظَّمَتِ الصِّدِّيقَ ، وَلَا أَطَاعَتْ أَحَدًا كَمَا أَطَاعَتْهُ ، مِنْ غَيْرِ رَغْبَةٍ أَعْطَاهُمْ إِيَّاهَا ، وَلَا رَهْبَةٍ أَخَافَهُمْ بِهَا ، بَلِ الَّذِينَ بَايَعُوا الرَّسُولَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ بَايَعُوهُ طَوْعًا ، مُقِرِّينَ بِفَضِيلَتِهِ وَاسْتِحْقَاقِهِ . ثُمَّ مَعَ هَذَا لَمْ نَعْلَمْ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي عَهْدِهِ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ فِي دِينِهِمْ [ إِلَّا ] ( 3 ) وَأَزَالَ الِاخْتِلَافَ بِبَيَانِهِ لَهُمْ ، وَمُرَاجَعَتِهِمْ لَهُ . وَهَذَا أَمْرٌ لَا يُشْرِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ .
وَكَانَ عُمَرُ أَقْرَبَ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ ، ثُمَّ عُثْمَانُ .
وَأَمَّا عَلِيٌّ فَقَاتَلَهُمْ وَقَاتَلُوهُ ( 4 ) ، فَلَا قَوَّمَهُمْ وَلَا قَوَّمُوهُ ، فَأَيُّ الْإِمَامَيْنِ حَصَلَ بِهِ مَقْصُودُ الْإِمَامَةِ أَكْثَرَ ؟ وَأَيُّ الْإِمَامَيْنِ أَقَامَ الدِّينَ وَرَدَّ الْمُرْتَدِّينَ ،
هامش
( 1 ) م : فِيمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ .
( 2 ) عُمَرُ : سَاقِطَةٌ مِنْ ( ن ) ، ( م ) .
( 3 ) إِلَّا : زِيَادَةٌ فِي ( ب ) فَقَطْ .
( 4 ) س ، ب : فَقَاتَلُوهُ .