لَفْظٌ مُجْمَلٌ ، فَإِنَّهُ يُقَالُ : إِنَّ اللَّهَ يَقْدِرُ عَلَى جَعْلِ هَذَا الْجِسْمِ أَسْوَدَ وَأَبْيَضَ ، وَمُتَحَرِّكًا وَسَاكِنًا ، وَمَيِّتًا وَحَيًّا ، وَهَذَا صَحِيحٌ ، بِمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ إِنْ شَاءَ سَوَّدَهُ ( وَإِنْ شَاءَ بَيَّضَهُ ) وَإِنْ شَاءَ ( 1 ) أَحْيَاهُ وَإِنْ شَاءَ أَمَاتَهُ ، لَكِنْ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَصِيرُ أَبْيَضَ وَأَسْوَدَ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ ، فَإِنَّ اجْتِمَاعَ الضِّدَّيْنِ ( 2 ) مُمْتَنِعٌ لِذَاتِهِ ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَلَا يُسَمَّى شَيْئًا بِاتِّفَاقِ النَّاسِ ، وَلَا يَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ : { وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 284 ] .
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَوْلُكَ : " قَادِرٌ عَلَى نَصْبِ إِمَامٍ ( 3 ) مَعْصُومٍ " إِنْ أَرَدْتَ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَصِّبَ إِمَامًا ، وَيُلْهِمَهُ فِعْلَ الطَّاعَاتِ وَتَرْكَ الْمَعَاصِي . فَلَا رَيْبَ أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ وَغَيْرِهِ ، كَمَا هُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ جَمِيعَ الْبَشَرِ مَعْصُومِينَ كَالْإِمَامِ ، بِجَعْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْبَشَرِ نَبِيًّا ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنْ مَقْدُورَاتِ اللَّهِ تَعَالَى .
وَإِنْ أَرَدْتَ أَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ تَحْصُلُ حِكْمَتُهُ الْمُنَافِيَةُ لِوُجُودِ ذَلِكَ ، الَّتِي يَمْتَنِعُ وُجُودُهَا إِلَّا مَعَ عَدَمِ ذَلِكَ ، فَهَذَا يَسْتَلْزِمُ الْجَمْعَ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ ، فَمِنْ أَيْنَ تَعْلَمُ انْتِفَاءَ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْحِكْمَةِ الَّتِي تُنَافِي [ وُجُودَ ] ( 4 ) ذَلِكَ ؟ .
وَلَوْ لَمْ يَكُنِ إِلَّا عِظَمُ أَجْرِ الْمُطِيعِينَ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ إِمَامٌ مَعْصُومٌ ، فَإِنَّ مَعْرِفَةَ الطَّاعَةِ وَالْعَمَلِ بِهَا حِينَئِذٍ أَشَقُّ ، فَثَوَابُهُ أَكْبَرُ ( 5 ) . وَهَذَا الثَّوَابُ يَفُوتُ بِوُجُودِ الْمَعْصُومِ .
هامش
( 1 ) سَاقِطٌ مِنْ ( ب ) فَقَطْ ، وَزِدْتُ عِبَارَةَ " وَإِنْ شَاءَ بَيَّضَهُ " لِيَسْتَقِيمَ الْكَلَامُ .
( 2 ) ب : الضِّدَّيْقِ ، وَهُوَ خَطَأٌ مَطْبَعِيٌّ .
( 3 ) إِمَامٍ : سَاقِطَةٌ مِنْ ( م ) .
( 4 ) وُجُودَ : سَاقِطَةٌ مِنْ ( ن ) ، ( ب ) .
( 5 ) ب : أَكْثَرُ .