يَخْتَارُونَ ذَلِكَ . فَلَوْ أَلْزَمَ الْمُهَاجِرِينَ ( 1 ) وَالْأَنْصَارَ بِهَذَا ، لَظَنَّ الظَّانُّ أَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ جِنْسِ أَبِي سُفْيَانَ وَأَمْثَالِهِ ، وَكَانُوا يَعْرِفُونَ اخْتِصَاصَ الصِّدِّيقِ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوَّلًا وَآخِرًا ، وَمُوَافَقَتَهُ لَهُ بَاطِنًا وَظَاهِرًا .
فَقَدْ يَقُولُ الْقَائِلُ : إِنَّهُمْ كَانُوا فِي الْبَاطِنِ كَارِهِينَ ( 2 ) لِمَنْ يَأْمُرُهُمْ بِمِثْلِ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ الرَّسُولُ ، لَكِنْ لَمَّا أَلْزَمَهُمْ بِذَلِكَ احْتَاجُوا إِلَى الْتِزَامِهِ ، لَوْ لَمْ يَقْدَحْ فِيهِمْ بِذَلِكَ لَمْ يُمْدَحُوا إِلَّا بِمُجَرَّدِ الطَّاعَةِ لِلْأَمْرِ ، فَإِذَا كَانُوا بِرِضَاهِمْ وَاخْتِيَارِهِمُ اخْتَارُوا مَا يَرْضَاهُ ( 3 ) اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ غَيْرِ إِلْزَامٍ ، كَانَ ذَلِكَ أَعْظَمَ لِقَدْرِهِمْ ، وَأَعْلَى لِدَرَجَتِهِمْ ، وَأَعْظَمَ فِي مَثُوبَتِهِمْ ( 4 ) ، وَكَانَ مَا اخْتَارَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ هُوَ أَفْضَلَ الْأُمُورِ لَهُ وَلَهُمْ .
أَلَا تَرَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَّرَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ ، وَبَعْدَهُ أُسَامَةَ [ بْنَ زَيْدٍ ] ( 5 ) ، وَطَعَنَ بَعْضُ النَّاسِ فِي إِمَارَتِهِمَا ( 6 ) ، وَاحْتَاجُوا مَعَ ذَلِكَ إِلَى لُزُومِ طَاعَتِهِمَا . فَلَوْ أَلْزَمَهُمْ بِوَاحِدٍ لَكَانَ [ يَظُنُّ ] بِهِمْ ( 7 ) أَنَّ مِثْلَ هَذَا كَانَ [ فِي ] ( 8 ) نُفُوسِهِمْ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ الصِّدِّيقُ ( 9 ) عِنْدَهُمْ بِالْمَنْزِلَةِ الَّتِي لَا يَتَكَلَّمُ فِيهَا أَحَدٌ .
فَلَمَّا اتَّفَقُوا عَلَى بَيْعَتِهِ ، وَلَمْ يَقُلْ قَطُّ أَحَدٌ ( 10 ) : إِنِّي أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْهُ ،
هامش
( 1 ) ن ، ب : الْمُهَاجِرُونَ .
( 2 ) ن ، ب : كَانُوا ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ .
( 3 ) م : مَا يَرَاهُ .
( 4 ) ب : فِي بُيُوتِهِمْ ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ .
( 5 ) بْنَ زَيْدٍ : زِيَادَةٌ فِي ( ب ) .
( 6 ) ب : فِي أَصْلِ وِلَايَتِهِمَا .
( 7 ) ن : لَكَانَ بِهِمْ ، ب : لَكَانَ لَهُمْ .
( 8 ) فِي : سَاقِطَةٌ مِنْ ( ن ) ، ( ب ) .
( 9 ) م : لِلصِّدِّيقِ .
( 10 ) م : أَحَدٌ قَطُّ .