أُولَئِكَ أَثْبَتُوا قُرْآنَيْنِ : قُرْآنًا قَدِيمًا ، وَقُرْآنًا مَخْلُوقًا . فَأَخَذَ هَؤُلَاءِ يُشَنِّعُونَ عَلَى أُولَئِكَ بِإِثْبَاتِ قُرْآنَيْنِ .
فَقَالَ لَهُمْ أُولَئِكَ : فَأَنْتُمْ إِذَا جَعَلْتُمُ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ - وَهُوَ قَدِيمٌ - كَلَامَ اللَّهِ ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا ، وَكُنْتُمْ مُوَافِقِينَ لِلْمُعْتَزِلَةِ ; فَإِنَّ قَوْلَكُمْ : إِنَّ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ قَدِيمٌ . مُمْتَنِعٌ فِي صَرَائِحِ الْعُقُولِ ، وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ السَّلَفِ ، وَنَحْنُ وَجَمِيعُ الطَّوَائِفِ نُنْكِرُ عَلَيْكُمْ هَذَا الْقَوْلَ ، وَنَقُولُ : إِنَّكُمُ ابْتَدَعْتُمُوهُ وَخَالَفْتُمْ بِهِ الْمَعْقُولَ وَالْمَنْقُولَ ، وَإِلَّا فَكَيْفَ تَكُونُ السِّينُ الْمُعَيَّنَةُ الْمَسْبُوقَةُ بِالْبَاءِ الْمُعَيَّنَةِ قَدِيمَةً أَزَلِيَّةً ( 1 ) ، وَتَكُونُ الْحُرُوفُ الْمُتَعَاقِبَةُ قَدِيمَةً ، وَالصَّوْتُ ( 2 ) الَّذِي كَانَ فِي هَذَا الْوَقْتِ قَدِيمًا ؟ ! .
وَلَمْ يَقُلْ هَذَا أَحَدٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَلَا غَيْرِهِمْ ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ يَقُولُونَهُ ، وَيَقُولُهُ ابْنُ سَالِمٍ وَأَصْحَابُهُ ( 3 ) ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْحَدِيثِ ; فَلَيْسَ فِي هَؤُلَاءِ أَحَدٌ مِنَ السَّلَفِ ، وَإِنْ كَانَ الشَّهْرَسْتَانِيُّ ذَكَرَ فِي " نِهَايَةِ الْإِقْدَامِ " أَنَّ هَذَا قَوْلُ السَّلَفِ وَالْحَنَابِلَةِ ، فَلَيْسَ هُوَ قَوْلَ السَّلَفِ ، وَلَا قَوْلَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَلَا أَصْحَابِهِ الْقُدَمَاءِ ، وَلَا جُمْهُورِهِمْ .
فَصَارَ كَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُوَافِقِينَ لِلسَّالِمِيَّةِ ، وَأُولَئِكَ الْمُوَافِقِينَ لِلْكُلَّابِيِّةِ ، بَيْنَهُمْ مُنَازَعَاتٌ وَمُخَاصَمَاتٌ ، بَلْ وَفِتَنٌ ، وَأَصْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ جَمِيعًا : إِنَّ
هامش
( 1 ) ن : قَدِيمَةً وَأَزَلِيَّةً .
( 2 ) و ، ر ، ي : أَوِ الصَّوْتُ .
( 3 ) سَبَقَ الْكَلَامُ عَنِ السَّالِمِيَّةِ 1 / 156