تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج السنة النبوية — صفحة 575

مساهمون:

ص٥٧٥
وَأَمَّا هَذَا الثَّانِي فَقَدْ تَنَازَعَ فِيهِ النُّظَّارُ لَمَّا رَأَوْا أَنَّ الْإِنْسَانَ يُوصَفُ بِأَنَّهُ عَالِمٌ قَادِرٌ مُرِيدٌ ، وَالْعِلْمُ وَالْإِرَادَةُ لَمْ تَقُمْ بِعَقِبِهِ وَلَا بِظَهْرِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ قَائِمٌ بِقَلْبِهِ . فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : الْأَعْرَاضُ الْمَشْرُوطَةُ بِالْحَيَاةِ يَتَعَدَّى حُكْمُهَا مَحَلَّهَا ، فَإِذَا قَامَتْ بِجُزْءٍ مِنَ الْجُمْلَةِ وُصِفَ بِهَا سَائِرُ الْجُمْلَةِ ، كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ يَقُولُهُ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : بَلِ الْمَوْصُوفُ بِذَلِكَ جُزْءٌ مُنْفَرِدٌ فِي الْقَلْبِ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : بَلْ حُكْمُهَا لَا يَتَعَدَّى مَحَلَّهَا ، وَإِنَّهُ بِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْبَدَنِ حَيَاةٌ وَعِلْمٌ وَقُدْرَةٌ . وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ : لَا يُشْتَرَطُ فِي قِيَامِ هَذِهِ الْأَعْرَاضِ بِالْجَوْهَرِ الْفَرْدِ الْبِنْيَةُ الْمَخْصُوصَةُ ، كَمَا يَقُولُهُ : الْأَشْعَرِيُّ وَمَنِ اتَّبَعَهُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ ، وَهَؤُلَاءِ بَنَوْا هَذَا عَلَى ثُبُوتِ الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ ، وَهُوَ أَسَاسٌ ضَعِيفٌ ، فَإِنَّ الْقَوْلَ بِهِ بَاطِلٌ ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ . ثُمَّ مِنَ الْمُتَفَلْسِفَةِ الْمَشَّائِينَ مَنِ ادَّعَى أَنَّ مَحَلَّ الْعِلْمِ مِنَ الْإِنْسَانِ مَا لَا يَنْقَسِمُ ، وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدَهُمْ أَنَّ النَّفْسَ النَّاطِقَةَ لَا يَتَمَيَّزُ مِنْهَا شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ ، وَلَا يَتَحَرَّكُ وَلَا يَسْكُنُ ، وَلَا يَصْعَدُ وَلَا يَنْزِلُ ، وَلَا يَدْخُلُ فِي الْبَدَنِ وَلَا غَيْرِهِ مِنَ الْعَالَمِ وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ ، وَلَا يَقْرُبُ مِنْ شَيْءٍ وَلَا يَبْعُدُ مِنْهُ . ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَدَّعِي أَنَّهَا لَا تَعْلَمُ الْجُزْئِيَّاتِ وَإِنَّمَا تَعْلَمُ الْكُلِّيَّاتِ ، كَمَا يُذْكَرُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ سِينَا وَغَيْرِهِ . وَكَانَ أَعْظَمُ مَا اعْتَمَدُوا عَلَيْهِ مِنَ الْمَعْلُومَاتِ مَا لَا يَنْقَسِمُ ، فَالْعِلْمُ بِهِ لَا يَنْقَسِمُ ، لِأَنَّ الْعِلْمَ مُطَابِقٌ لِلْمَعْلُومِ ،