وَقَدْ عُرِفَ فَسَادُ حُجَّتِكُمْ عَلَى نَفْيِ الصِّفَاتِ ، وَإِنْ سَمَّيْتُمْ ذَلِكَ تَوْحِيدًا ، فَحِينَئِذٍ الْوَاحِدُ الَّذِي لَا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُعْلَمْ ثُبُوتُهُ فِي الْخَارِجِ حَتَّى يُحْتَجَّ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ بِهِ كَذَلِكَ ، وَالْعَالِمَ بِهِ كَذَلِكَ .
وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُهُمْ عَلَى وُجُودِ مَا لَا يَنْقَسِمُ - بِالْمَعْنَى الَّذِي أَرَادُوهُ - بِأَنْ قَالُوا : الْوُجُودُ فِي الْخَارِجِ : إِمَّا بَسِيطٌ وَإِمَّا مُرَكَّبٌ ، وَالْمُرَكَّبُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ بَسِيطٍ .
وَهَذَا مَمْنُوعٌ ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ فِي الْوُجُودِ مَا هُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ هَذَا الْبَسِيطِ الَّذِي أَثْبَتُّمُوهُ ، وَإِنَّمَا الْمَوْجُودُ الْأَجْسَامُ الْبَسِيطَةُ ، وَهُوَ مَا يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا ، كَالْمَاءِ وَالنَّارِ وَالْهَوَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ .
وَأَمَّا مَا لَا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ فِي الْوُجُودِ مَا هُوَ مُرَكَّبٌ مِنْهُ ، بَلْ لَا مَوْجُودَ إِلَّا مَا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ .
وَإِذَا قَالُوا : فَذَلِكَ الشَّيْءُ هُوَ الْبَسِيطُ .
قِيلَ لَهُمْ : وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْضًا مِنْ غَيْرِهِ ، لَا يُعْلَمُ مُفْرَدًا أَلْبَتَّةَ ، كَمَا لَا يُوجَدُ مُفْرَدًا أَلْبَتَّةَ .
ثُمَّ يُقَالُ : مِنَ الْمَعْلُومُ أَنَّ بَدَنَ الْإِنْسَانِ يَنْقَسِمُ بِالْمَعْنَى الَّذِي يَذْكُرُونَهُ وَيَتَمَيَّزُ مِنْهُ شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ ، وَالْحَيَاةُ وَالْحِسُّ سَارٍ فِي بَدَنِهِ ، فَمَا الْمَانِعُ أَنْ تَقُومَ الْحَيَاةُ وَالْعِلْمُ بِالرُّوحِ ، كَمَا قَامَتِ الْحَيَاةُ وَالْحِسُّ بِالْبَدَنِ ، وَإِنْ كَانَ الْبَدَنُ مُنْقَسِمًا عِنْدَكُمْ ؟
وَإِنْ قُلْتُمُ : الْحَيَاةُ وَالْحِسُّ مُنْقَسِمٌ عِنْدَكُمْ ؟
قِيلَ : إِنْ أَرَدْتُمْ بِذَلِكَ أَنَّهُ يُمْكِنُ كَوْنُ الْبَعْضِ حَيًّا حَسَّاسًا مَعَ مُفَارَقَةِ الْبَعْضِ .
منهاج السنة النبوية — صفحة 578
مساهمون: ابن تيمية
ص٥٧٨