تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج السنة النبوية — صفحة 572

مساهمون:

ص٥٧٢
فَمَنْ حَكَى عَنْ مِثْلِ أَرِسْطُو أَوْ جَالِينُوسَ أَوْ غَيْرِهِمَا قَوْلًا فِي الطَّبِيعِيَّاتِ ( 1 ) ظَاهِرَ الْبُطْلَانِ ، عُلِمَ أَنَّهُ غَلِطَ فِي النَّقْلِ عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَعَمَّدَ الْكَذِبَ عَلَيْهِ . بَلْ مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الرَّازِيُّ مَعَ إِلْحَادِهِ فِي الْإِلَهِيَّاتِ وَالنُّبُوَّاتِ ، وَنُصْرَتِهِ لِقَوْلِ دِيمُقْرَاطِيسَ وَالْحَرْنَانِيِّينَ ( 2 ) الْقَائِلِينَ بِالْقُدَمَاءِ الْخَمْسَةِ - مَعَ أَنَّهُ مِنْ أَضْعَفِ أَقْوَالِ الْعَالِمِ وَفِيهِ مِنَ التَّنَاقُضِ وَالْفَسَادِ مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، كَشَرْحِ الْأَصْبَهَانِيَّةِ وَالْكَلَامِ عَلَى مُعْجِزَاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ : إِنَّهَا قُوًى نَفْسَانِيَّةٌ الْمُسَمَّاةُ بِالصَّفَدِيَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ - فَالرَّجُلُ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِالطِّبِّ ( 3 ) حَتَّى قِيلَ لَهُ : جَالِينُوسُ الْإِسْلَامِ ، فَمَنْ ذَكَرَ عَنْهُ فِي الطِّبِّ قَوْلًا يَظْهَرُ فَسَادُهُ لِمُبْتَدِئِ الْأَطِبَّاءِ ، كَانَ غَالِطًا عَلَيْهِ .
هامش
( 1 ) فِي الْأَصْلِ : فِي الطَّبِيعَاتِ . ( 2 ) فِي الْأَصْلِ : حَرْنَانِينَ . ( 3 ) فِي هَامِشِ ( ع ) لَخَّصَ مُسْتَجِي زَادَهْ كَلَامَ ابْنَ تَيْمِيَّةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيَّا الرَّازِيِّ حَتَّى هَذَا الْمَوْضِعِ ، ثُمَّ كَتَبَ التَّعْلِيقَ التَّالِيَ : " قُلْتُ : وَقَدِ اطَّلَعْتُ عَلَى تَأْلِيفٍ لِابْنِ الْخَطِيبِ الْمُشْتَهِرِ بِالْإِمَامِ الرَّازِيِّ يُقَالُ لَهُ " الْمَطَالِبُ الْعَالِيَةُ " أَنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ دَلِيلٌ يَدُلُّ بِصَرِيحِهِ عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ ، ثُمَّ أَخَذَ يُعَدِّدُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ مَظِنَّةُ ذَلِكَ - أَعْنِي حُدُوثَ الْعَالَمِ - فَرَكِبَ عَلَى كُلِّ صَعْبٍ وَذَلُولٍ عَلَى نَفْيِ الدَّلَالَةِ فِي تِلْكَ الْمَظَانِّ ، ثُمَّ قَالَ : لَيْسَ فِي التَّوْرَاةِ أَيْضًا دَلِيلٌ يَدُلُّ بِصَرِيحِهِ عَلَى ذَلِكَ فَذَهَبَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى قَوْلِ دِيمُقْرَاطِيسَ مِنْ إِثْبَاتِ الْأَجْزَاءِ الْقَدِيمَةِ وَهِيَ أَجْزَاءُ الْعَالَمِ ، فَالْعَالَمُ قَدِيمٌ بِذَوَاتِهَا وَحَادِثٌ بِصِفَاتِهَا . وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقَوْلَ بِقِدَمِ أَجْزَاءِ الْعَالَمِ مُخَالِفٌ لِلضَّرُورِيَّاتِ الدِّينِيَّةِ لَمْ يَذْهَبْ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ ، مِنَ الْفِرَقِ الثَّلَاثِ وَالسَّبْعِينَ وَإِنَّمَا ذَهَبَ ( إِلَيْهِ ) طَوَائِفُ ثَلَاثٌ : الْبَاطِنِيَّةُ ، وَمَنْ يَنْتَمِي إِلَى الْإِسْلَامِ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ الْمَشَّائِينَ ، وَمَنْ يَنْتَمِي إِلَى الْإِسْلَامِ مِنْ دِيمُقْرَاطِيسِيَّةٍ - وَهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ . وَقَدْ كَتَبْتُ فِي هَذَا الْبَابِ رِسَالَةً بَيَّنْتُ فِيهَا فَسَادَ قَوْلِ ابْنِ الْخَطِيبِ وَأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِفِرَقِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ . وَقَدْ كَانَ الْمَشْهُورُ بِذَلِكَ مِمَّنْ يَنْتَمِي إِلَى الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا الرَّازِيَّ ، ثُمَّ اطَّلَعْتُ عَلَى أَنَّ ابْنَ الْخَطِيبِ أَيْضًا ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ ، حَتَّى ادَّعَى أَنَّ مَنْ نَفَى ذَلِكَ - أَعْنِي حُدُوثَ الْعَالَمِ - أَوْ تَرَدَّدَ وَتَذَبْذَبَ فِيهِ فَهُوَ مَعْذُورٌ . وَلَعَلَّ الشَّارِحَ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - قُدِّسَ سِرُّهُ - لَمْ يَطَّلِعْ ( عَلَى ) هَذَا الْقَوْلِ مِنِ ابْنِ الْخَطِيبِ إِذِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوِ اطَّلَعَ لَمْ يَقْصُرْ ( فِي الْأَصْلِ : يَقْتَصِرْ ) نُصْرَةَ مَذْهَبِ دِيمُقَرَاطِيسَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيَّاءَ الرَّازِيِّ ، بَلْ ذَكَرَ مَعَهُ أَيْضًا ابْنَ الْخَطِيبِ الَّذِي اشْتُهِرَ عِنْدَ النَّاسِ بِالْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ الرَّازِيِّ ، وَأَلَّفَ تَفْسِيرًا يُقَالُ لَهُ " التَّفْسِيرُ الْكَبِيرُ " وَفِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمَوَاضِعِ يَخَافُ مِنَ الْكُفْرِ ، لَكِنَّ قَوْمَهُ أَهَالِيَ الرَّيِّ شَدِيدُو الِاعْتِقَادِ فِيهِ ( لَكِنْ . . إِلَخْ غَيْرُ وَاضِحَةٍ بِالْأَصْلِ ) فَحَمَلُوا كَلَامَهُ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ كَأَنَّ جِبْرَئِيلَ أَوْحَى إِلَيْهِ لِعِظَمَةِ الرَّجُلِ عِنْدَهُمْ ، مَعَ أَنَّ الرَّجُلَ بَعِيدٌ عَنْ صِنَاعَةِ الْحَدِيثِ وَأُصُولِهِ وَقَوَاعِدِهِ ، مَعَ أَنَّ التَّفْسِيرَ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِالْحَدِيثِ ، لَا بِالْفَلْسَفَةِ . وَقَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْفَلْسَفَةُ وَالْفَلْسَفِيَّاتُ ، فَأَرَادَ تَطْبِيقَ الْقُرْآنِ عَلَى قَوَاعِدِ الْفَلْسَفَةِ ، مَعَ أَنَّ الْقُرْآنَ وَعَامَّةَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ مِنَ السَّمَاءِ لِإِبْطَالِ أُصُولِ الْفَلْسَفَةِ - سِيَّمَا فَلْسَفَةِ الْيُونَانِيِّينَ ( الَّذِينَ ) يُقَالُ لَهُمُ الْمَشَّاءُونَ ( فَقَوْلُهُمْ ) مَبْنِيٌّ عَلَى إِبْطَالِ حُدُوثِ الْعَالَمِ وَإِثْبَاتِ قِدَمِهِ ، وَقَدْ خَالَفَ أَكْثَرُ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ ، إِذْ أَصُولُ غَالِبِهِمْ لَا تَأْبَى عَنْ حُدُوثِ الْعَالَمِ " .