تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج السنة النبوية — صفحة 577

مساهمون:

ص٥٧٧
الْمَعْدُودَاتُ كَالدِّرْهَمِ وَالْحَبَّةِ وَالْإِنْسَانِ ، وَالْمُقَدَّرَاتِ كَالْأَرْضِ الَّتِي لَهَا طُولٌ وَعَرْضٌ وَعُمْقٌ ، فَمَا مِنْ سَطْحٍ إِلَّا وَلَهُ حَقِيقَةٌ يَتَمَيَّزُ بِهَا عَنْ غَيْرِهِ مِنَ السُّطُوحِ ، كَمَا يَتَمَيَّزُ التُّرَابُ عَنِ الْمَاءِ ، وَكَمَا يَتَمَيَّزُ سُطُوحُ كُلِّ جِسْمٍ عَنْ سُطُوحِ الْآخَرِ . وَإِنْ قَالُوا : مَا لَا يَنْقَسِمُ هِيَ الْعُقُولُ الْمُجَرَّدَةُ الَّتِي تُثْبِتُهَا الْفَلَاسِفَةُ . كَانَ دُونَ إِثْبَاتِ هَذِهِ خَرْطُ الْقَتَادِ ( 1 ) ، فَلَا يُتَحَقَّقُ مِنْهَا إِلَّا مَا يُقَدَّرُ فِي الْأَذْهَانِ ، لَا مَا يُوجَدُ فِي الْأَعْيَانِ . وَالْمَلَائِكَةُ الَّتِي وَصَفَتْهَا الرُّسُلُ وَأَمَرُوا بِالْإِيمَانِ بِهَا ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ هَذِهِ الْمُجَرَّدَاتِ مِنْ أَنْوَاعِ الْفُرْقَانِ ، مَا لَا يَخْفَى إِلَّا عَلَى الْعُمْيَانِ ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَكَانِ . وَإِنْ أَرَادُوا بِمَا لَا يَنْقَسِمُ وَاجِبَ الْوُجُودِ ، وَقَالُوا : إِنَّهُ وَاحِدٌ لَا يَنْقَسِمُ وَلَا يَتَجَزَّأُ . قِيلَ : إِنْ أَرَدْتُمْ بِذَلِكَ نَفْيَ صِفَاتِهِ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ حَيَاةٌ وَعِلْمٌ وَقُدْرَةٌ تَقُومُ بِهِ ، فَقَدْ عُلِمَ أَنَّ جُمْهُورَ الْمُسْلِمِينَ وَسَائِرَ أَهْلِ الْمِلَلِ ، بَلْ وَسَائِرَ عُقَلَاءِ بَنِي آدَمَ مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ يُخَالِفُونَكُمْ فِي هَذَا . وَهَذَا أَوَّلُ الْمَسْأَلَةِ ، وَأَنْتُمْ - وَكُلُّ عَاقِلٍ - قَدْ يُعْلَمُ بَعْضُ صِفَاتِهِ دُونَ بَعْضٍ ، وَالْمَعْلُومُ هُوَ غَيْرُ مَا لَيْسَ بِمَعْلُومٍ ، فَكَيْفَ يُنْكَرُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٌ ؟ وَأَدِلَّةُ إِثْبَاتِ الصَّانِعِ كَثِيرَةٌ ، لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهَا ، فَلِمَ قُلْتُمْ بِإِمْكَانِ وُجُودِ مِثْلِ هَذَا فِي الْخَارِجِ ، فَضْلًا عَنْ تَحْقِيقِ وَجُودِهِ ؟
هامش
( 1 ) فِي الْأَصْلِ : حَرْظُ الْعَتَادِ .
منهاج السنة النبوية — صفحة 577 | ابن تيمية / محمد رشاد سالم