فِي ذَلِكَ الْأَصْلِ ، قَالُوا : يَمْتَنِعُ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا لِأَجْلِ شَيْءٍ أَصْلًا ، وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْأَشْيَاءِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ بَعْضٍ ، وَيَمْتَنِعُ أَنْ يُحِبَّ شَيْئًا مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ دُونَ بَعْضٍ ، أَوْ يُرِيدَ مِنْهَا شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ ، بَلْ كُلُّ مَا حَدَثَ فَهُوَ مُرَادٌ لَهُ مَحْبُوبٌ مَرْضِيٌّ ، سَوَاءٌ كَانَ كُفْرًا أَوْ إِيمَانًا ، أَوْ حَسَنَاتٍ أَوْ سَيِّئَاتٍ ، أَوْ نَبِيًّا أَوْ شَيْطَانًا . وَكُلُّ مَا لَمْ يَحْدُثْ فَهُوَ لَيْسَ ( 1 ) مَحْبُوبًا لَهُ وَلَا مَرْضِيًّا لَهُ وَلَا مُرَادًا ، كَمَا أَنَّهُ لَمْ يَشَأْهُ ، فَعِنْدَهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَأَحَبَّهُ وَرَضِيَهُ وَأَرَادَهُ ، وَمَا لَمْ يَشَأْهُ لَمْ يَكُنْ وَلَا يُحِبُّهُ وَلَا يَرْضَاهُ وَلَا يُرِيدُهُ .
وَأُولَئِكَ الْقَدَرِيَّةُ يَقُولُونَ : كُلُّ مَا أَمَرَ بِهِ فَهُوَ يَشَاؤُهُ وَيُرِيدُهُ ، كَمَا أَنَّهُ يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ ، وَمَا لَمْ يَأْمُرْ بِهِ لَا يَشَاؤُهُ ( 2 ) وَلَا يُرِيدُهُ كَمَا لَا يُحِبُّهُ وَلَا يَرْضَاهُ ، بَلْ يَكُونُ فِي مِلْكِهِ مَا لَا يَشَاءُ ، وَيَشَاءُ مَا لَا يَكُونُ .
ثُمَّ إِنَّ الْجَهْمِيَّةَ الْمُجْبِرَةَ ( 3 ) إِذَا تُلِيَ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ تَعَالَى : { وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ } [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 205 ] ، { وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ } [ سُورَةُ الزُّمَرِ : 7 ] ، قَالُوا : مَعْنَاهُ لَا يُحِبُّهُ وَلَا يُرِيدُهُ وَلَا يَشَاؤُهُ مِمَّنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ ، أَوْ لَا يُحِبُّهُ وَلَا يَشَاؤُهُ وَلَا يُرِيدُهُ دِينًا ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَشَاءُ أَنْ يُثِيبَ صَاحِبَهُ .
وَأَمَّا مَا وَقَعَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ فَعِنْدَهُمْ أَنَّهُ يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ كَمَا يَشَاؤُهُ لَكِنْ لَا يُحِبُّ أَنْ يُثِيبَ صَاحِبَهُ ، كَمَا لَا يَشَاءُ أَنْ يُثِيبَهُ ، وَعِنْدَهُمْ يَشَاءُ تَنْعِيمَ أَقْوَامٍ وَتَعْذِيبَ آخَرَيْنِ لَا بِسَبَبٍ وَلَا لِحِكْمَةٍ ( 4 ) ، وَلَيْسَ فِي بَعْضِ
هامش
( 1 ) ع : فَلَيْسَ .
( 2 ) ع : فَإِنَّهُ يَشَاؤُهُ .
( 3 ) ع : الْجَبْرِيَّةَ .
( 4 ) أ : كَمَا لَا يَشَاءُ أَنْ يُثِيبَهُ عِنْدَهُمْ نَفْعًا يُنَعِّمُ أَقْوَامًا وَيُعَذِّبُ آخَرِينَ لَا بِسَبَبٍ وَلَا بِحِكْمَةٍ ، ب : لَا يَشَاءُ أَنْ يُثِيبَهُ عِنْدَهُمْ ، بَلْ يُنَعِّمُ أَقْوَامًا وَيُعَذِّبُ آخَرِينَ لَا بِسَبَبٍ وَلَا بِحِكْمَةٍ ، وَالْمُثْبَتُ مِنْ ( ع ) .