تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج السنة النبوية — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
قَدِ اشْتَرَكُوا فِي أَنَّهُ لَا يَقُومُ بِذَاتِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، ثُمَّ تَنَازَعُوا بَعْدَ ذَلِكَ فِي تَعْلِيلِ أَفْعَالِهِ وَأَحْكَامِهِ ( 1 ) ، كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَوْلَيْنِ يَسْتَلْزِمُ مَا يُبَيِّنُ فَسَادَهُ وَتَنَاقُضَهُ . فَمُثْبِتَةُ التَّعْلِيلِ تَقُولُ : مَنْ فَعَلَ لِغَيْرِ حِكْمَةٍ كَانَ سَفِيهًا . وَهَذَا إِنَّمَا يُعْلَمُ فِيمَنْ ( 2 ) فَعَلَ لِغَيْرِ حِكْمَةٍ تَعُودُ إِلَيْهِ ، وَهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْبَارِئَ فَعَلَ لَا لِحِكْمَةٍ تَعُودُ إِلَيْهِ ، فَإِنْ كَانَ مَنْ ( 3 ) فَعَلَ لَا لِحِكْمَةٍ سَفِيهًا ( 4 ) لَزِمَهُ ( 5 ) إِثْبَاتُ السَّفَهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَفِيهًا تَنَاقَضُوا ، فَإِنَّ مَا أَثْبَتُوهُ مِنْ فِعْلِهِ لِحِكْمَةٍ لَا تَعُودُ إِلَيْهِ لَا يُعْقَلُ ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ حَكِيمًا . وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِمْ فِي صِفَاتِهِ وَكَلَامِهِ ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا : لَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ ( 6 ) وَقُدْرَتِهِ ، وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْقُرْآنُ قَدِيمًا ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْأُمُورِ الْمُنَافِيَةِ لِقَدَمِهِ . وَقَالُوا : الْمُتَكَلِّمُ لَا يَعْقِلُ ( 7 ) إِلَّا مَنْ تَكَلَّمَ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ ، دُونَ مَنْ يَكُونُ الْكَلَامُ لَازِمًا لِذَاتِهِ لَا يَحْصُلُ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ ( 8 ) . فَيُقَالُ لَهُمْ : وَكَذَلِكَ لَا يُعْقَلُ مُتَكَلِّمٌ إِلَّا مَنْ يَقُومُ بِهِ الْكَلَامُ . أَمَّا مُتَكَلِّمٌ لَا يَقُومُ بِهِ الْكَلَامُ ، أَوْ مُرِيدٌ لَا تَقُومُ بِهِ الْإِرَادَةُ ، أَوْ عَالِمٌ لَا يَقُومُ بِهِ الْعِلْمُ فَهَذَا لَا يُعْقَلُ ، بَلْ هُوَ خِلَافُ الْمَعْقُولِ .
هامش
( 1 ) أ : وَأَحْرَامِهِ ، ب : وَآخِرِ أَمْرِهِ . ( 2 ) أ ، ب : مِمَّنْ . ( 3 ) ب فَقَطْ : مِنْهُ ، وَهُوَ خَطَأٌ . ( 4 ) سَفِيهًا سَاقِطَةٌ مِنْ ( أ ) ، ( ب ) . ( 5 ) أ ، ب : لَزِمَ . ( 6 ) أفَقَطْ : قَالُوا إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ . ( 7 ) ب : لَا يَعْقِلُ الْمُتَكَلِّمُ ; وَسَقَطَتْ " لَا يَعْقِلُ " مِنْ ( أ ) . ( 8 ) ع : بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ .
منهاج السنة النبوية — صفحة 194 | ابن تيمية / محمد رشاد سالم