تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج السنة النبوية — صفحة 400

مساهمون:

ص٤٠٠
بِالذَّاتِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ يَسْتَلْزِمُ مُوجِبَهُ وَمُقْتَضَاهُ ، فَلَوْ كَانَ مُبْدِعُ الْعَالَمِ مُوجِبًا بِالذَّاتِ بِهَذَا التَّفْسِيرِ ، لَزِمَ أَنْ لَا يَحْدُثَ فِي الْعَالَمِ شَيْءٌ ، وَهُوَ خِلَافُ الْمُشَاهَدَةِ . فَقَوْلُهُمْ بِالْمُوجِبِ بِالذَّاتِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ صِفَاتِهِ وَنَفْيَ أَفْعَالِهِ وَنَفْيَ حُدُوثِ شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ ، وَهَذَا كُلُّهُ مَعْلُومُ الْبُطْلَانِ . وَأَبْطَلُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ جَعَلُوهُ وَاحِدًا بَسِيطًا ، وَقَالُوا : إِنَّهُ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ إِلَّا وَاحِدٌ ، ثُمَّ احْتَالُوا فِي صُدُورِ الْكَثْرَةِ عَنْهُ بِحِيَلٍ تَدُلُّ عَلَى عَظِيمِ ( 1 ) حَيْرَتِهِمْ وَجَهْلِهِمْ بِهَذَا الْبَابِ ، كَقَوْلِهِمْ : إِنَّ الصَّادِرَ الْأَوَّلَ هُوَ الْعَقْلُ الْأَوَّلُ ، وَهُوَ مَوْجُودٌ ، وَاجِبٌ بِغَيْرِهِ ، مُمْكِنٌ بِنَفْسِهِ ، فَفِيهِ ثَلَاثُ جِهَاتٍ ، فَصَدَرَ عَنْهُ بِاعْتِبَارِ وُجُوبِهِ عَقْلٌ آخَرُ ، وَبِاعْتِبَارِ وَجُودِهِ نَفْسٌ ، وَبِاعْتِبَارِ إِمْكَانِهِ [ فَلَكٌ . وَرُبَّمَا قَالُوا : وَبِاعْتِبَارِ وَجُودِهِ صُورَةُ الْفَلَكِ ، وَبِاعْتِبَارِ إِمْكَانِهِ ] ( 2 ) مَادَّتُهُ . وَهُمْ مُتَنَازِعُونَ فِي النَّفْسِ الْفَلَكِيَّةِ : هَلْ هِيَ جَوْهَرٌ مُفَارِقٌ لَهُ ، [ أَمْ ] ( 3 ) عَرَضٌ قَائِمٌ بِهِ ( 4 ) ؟ . وَلِهَذَا أَطْنَبَ النَّاسُ فِي بَيَانِ فَسَادِ كَلَامِهِمْ ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْوَاحِدَ الَّذِي فَرَضُوهُ لَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُهُ إِلَّا فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ . ثُمَّ قَوْلُهُمْ : الْوَاحِدُ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ إِلَّا وَاحِدٌ قَضِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ ، وَهُمْ لَوْ عَلِمُوا ثُبُوتَهَا فِي [ بَعْضِ ] ( 5 ) الصُّوَرِ ، لَمْ يَلْزَمْ أَنْ تَكُونَ كُلِّيَّةً إِلَّا بِقِيَاسِ التَّمْثِيلِ ، فَكَيْفَ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ وَاحِدًا صَدَرَ عَنْهُ شَيْءٌ ؟ .
هامش
( 1 ) ا ، ب : عِظَمِ . ( 2 ) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ ( ن ) ، ( م ) . ( 3 ) أَمْ : سَاقِطَةٌ مِنْ ( ن ) ، ( م ) . ( 4 ) ا ، ب : هَلْ هِيَ جَوْهَرٌ مُفَارِقٌ أَمْ عَرَضٌ قَائِمٌ . ( 5 ) بَعْضِ : سَاقِطَةٌ مِنْ ( ن ) فَقَطْ .
منهاج السنة النبوية — صفحة 400 | ابن تيمية / محمد رشاد سالم