وَفَصْلُ الْخِطَابِ أَنْ يُقَالَ : أَيُّ شَيْءٍ يُرَادُ بِلَفْظِ الْمُوجِبِ بِالذَّاتِ ؟ إِنْ عُنِيَ [ بِهِ ] ( 1 ) أَنَّهُ يُوجِبُ بِذَاتٍ مُجَرَّدَةٍ عَنِ الْمَشِيئَةِ وَالْقُدْرَةِ ، فَهَذِهِ الذَّاتُ لَا حَقِيقَةَ لَهَا وَلَا ثُبُوتَ فِي الْخَارِجِ ، فَضْلًا عَنْ أَنْ تَكُونَ مُوجِبَةً .
وَالْفَلَاسِفَةُ يَتَنَاقَضُونَ ، فَإِنَّهُمْ يُثْبِتُونَ لِلْأَوَّلِ غَايَةً ، وَيُثْبِتُونَ الْعِلَلَ الْغَائِيَّةَ فِي إِبْدَاعِهِ ، وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ الْإِرَادَةَ .
وَإِذَا فَسَّرُوا الْغَايَةَ بِمُجَرَّدِ الْعِلْمِ ، وَجَعَلُوا الْعِلْمَ مُجَرَّدَ الذَّاتِ ، كَانَ هَذَا فِي غَايَةِ الْفَسَادِ وَالتَّنَاقُضِ ، فَإِنَّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الْإِرَادَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ الْعِلْمِ ، وَأَنَّ الْعِلْمَ لَيْسَ هُوَ مُجَرَّدُ ( 2 ) الْعَالَمِ ، لَكِنَّ هَذَا مِنْ تَنَاقُضِ هَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةِ فِي هَذَا الْبَابِ ، فَإِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ الْمَعَانِيَ الْمُتَعَدِّدَةَ مَعْنًى وَاحِدًا ( 3 ) ، فَيَجْعَلُونَ الْعِلْمَ هُوَ الْقُدْرَةُ وَهُوَ الْإِرَادَةُ ، وَيَجْعَلُونَ الصِّفَةَ هِيَ نَفْسُ الْمَوْصُوفِ ، كَمَا يَجْعَلُونَ الْعِلْمَ هُوَ [ نَفْسُ ] ( 4 ) الْعَالِمِ ، وَالْقَادِرَ هُوَ الْقُدْرَةُ ، وَالْإِرَادَةَ هِيَ الْمُرِيدُ ، وَالْعِشْقَ هُوَ الْعَاشِقُ .
وَهَذَا قَدْ صَرَّحَ بِهِ فُضَلَاؤُهُمْ - وَحَتَّى الْمُنْتَصِرُونَ لَهُمْ - مِثْلُ ابْنِ رُشْدٍ الْحَفِيدِ ، الَّذِي رَدَّ عَلَى [ أَبِي حَامِدٍ ] الْغَزَالِيِّ ( 5 ) فِي " تَهَافُتِ التَّهَافُتِ ( 6 ) " وَأَمْثَالِهِ .
وَأَيْضًا : فَلَوْ قُدِّرَ وُجُودُ ذَاتٍ مُجَرَّدَةٍ عَنِ الْمَشِيئَةِ وَالِاخْتِيَارِ ، فَيُمْتَنَعُ أَنْ يَكُونَ الْعَالَمُ صَادِرًا عَنْ مُوجِبٍ بِالذَّاتِ بِهَذَا التَّفْسِيرِ ؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ
هامش
( 1 ) بِهِ : سَاقِطَةٌ مِنْ ( ن ) .
( 2 ) مُجَرَّدُ : سَاقِطَةٌ مِنْ ( ا ) ، ( ب ) .
( 3 ) ن ، م : فِي مَعْنًى وَاحِدٍ .
( 4 ) نَفْسُ : سَاقِطَةٌ مِنْ ( ن ) ، ( م ) .
( 5 ) ن ، م : عَلَى الْغَزَالِيِّ .
( 6 ) ا ، ب : تَهَافُتِ الْفَلَاسِفَةُ .