فأجَابَهُ بأن قال له : ( وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي ) كما أعلمتني أن أبْعَثَ ليُعطِيني في
الآخرة خيراً مما أعطاني في الدنيا ، لأنه لم يُعطِني هَذا في الدنْيَا إلا وهو
يزيدني إن كان الأمر عَلَى هَذَا في الآخرة ، فقال له صاحبه منكراً له بهذا
القول :
( أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا ( 37 )
أي ثم أكملك ، فأنكرت أمر البعث حتى شككت فيه ، وقد أعْلَمَنَا أن
الشاكَّ في أمْر اللَّهِ كافِرٌ ، وأن بعض الظنِّ إثم أي باطِل ، وقد قال اللَّه تعالى :
( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ( 27 ) .
ثم أعلَمَهُ صاحبهُ أنه مُوَحِّدٌ للَّهِ ، وأن كل ما قدر عليه الِإنسان
من ملك ونعْمةٍ فلا قوة له ولا قدرة عليه إلا باللَّهِ ، فقال :
( لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا ( 38 )
فدل خِطَابهُ على أنَّ صَاحِبَ الجنتين مشرك عابدٌ مع الله غيرَه ، وفي
قوله : ( لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي ) خَمسةُ أوْجُه ( 1 ) :
لَكِنَّ هو الله ربي - بتشديد النون
وفتحها ، ويوقف عليها بالألف ، ويوصل بغير ألف ، ويُقْرَأ : لكنا هو الله رَبي
بالألف موصولة ، ويقرأ لكِنْ هو اللَّه رَبي بسكون النون .
ويجوز - ولا أعلم أحداً قرأ به - لكنَنَ هُوَ اللَّه رَبي بنونين مَفْتُوحَتَين ، ويجوز لكنَنَا هو الله ربي بنونين وألف .
فمن قرأ بتشديد النون فالمعنى لكن أنا هو الله ربي فطرحت
الهمزة على النون فتحركت بالفتح واجتمع حرفان من جنس واحد ، فأُدغِمَت النون الأولى في الثانية ، وحذفت الألف في الوصل لأنها تثبت في الوقف وتحذف في الوصل ومن قرأ : لكنَّا فأثبت الألف في الوصل كما كان تثبيتها لي
معاني القرآن وإعرابه — صفحة 286
مساهمون: ابراهيم بن السري بن سهل ( الزجاج )
ص٢٨٦