تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معاني القرآن وإعرابه — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
القذف لوجب أن يوقف ويُعَلَّمَ أنه حرام ، فكذلك مجاز إعلام الملكين الناس وأمرهما باجتنابه بعد الإعلام يدل على ما وصفنا ، فهذا مستقيم بين ، ولا يكون على هذا التأويل تعلم السحر كفراً ، إنما يكون العمل به كفراً ، كما أن من عَرَفَ الزنا لم يأثَمْ بأنه عرفه ، وإنما يأثم بالعمل به . وفيه قَوْل آخر ، جائز أن يكون اللَّه عزَّ وجلَّ امتحن بالملكين الناس في ذلك الوقت ، وجعل المحنة في الكفر والِإيمان أن يقبل القابل تعلم السحر ، فيكون بِتَعلُّمِه كافراً ، وبتْرَكِ تعَلمه مؤمناً ، لأن السحر قد كان كثر وكان في كل أمة ، والدليل على ذلك أن فرعون فزع في أمر موسى - صلى الله عليه وسلم - إلى السحر - فقال : ( ائتوني بكل ساحر عليم ) وهذا ممكن أن يمْتَحِن اللَّه به كما امتحن بالنهر في قوله ( إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ) . وقد قيل إن السحر ما أنزل على الملكين ، ولا أمرا به ولا أتى به سليمانُ عليه السلام . فقال قوم : ( وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ ) ، فيكون " ما " جحْداً ، ويكون هاروت وماروت من صفة الشياطين ، على تأويل هؤلاء ، كان التأويل عندهم على مذهب هؤلاءِ : كان الشياطين هاروت وماروت ، ويكون معنى قولهمَا على مذهب هؤلاءِ ( إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ) كقول الغاوي والخليع : أنا في ضلال فلا تَرِدْ ما أنا فيه . فهذه ثلاثة أوجه ، والوجهان الأولان أشبه بالتأويل وأشبه بالحق عند كثير من أهل اللغة ، والقول الثالث له وجه ، إلا أن الحديث وما جاءَ في قِصَّةِ الملكين أشبه وأولى أن يؤخذ به