الدماء لبعث اللَّه ملائكتَه فأجْلَتْهم من الأرض ، وقيل إن هُؤلاء الملائكة
صاروا سكان الأرض بعد الجان ، فقالوا يا رب ( أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ) .
وتأويل استخبارهم هذا على جِهَةِْ الاسْتِعْلام وجهة الحكمة ، لا على
الإنكار ، فكأنهم قالوا يا اللَّه : إن كان هذا ظننا فَعَرفنا وجه الحق فيه .
وقال قوم : المعنى فيه غير هذا وهو أن الله عزَّ وجلَّ أعلم الملائكة أنه جاعل في الأرض خليفة ، وأن من الخليقة فرقةً تسفك الدماءَ وهي فرقة مِنْ بَنِي آدَم ، وأذن اللَّه عزَّ وجلَّ للملائكةِ أنْ يسْألوه عن ذلك وكان إعلامُه إياهم هذا زِيادةً في التثبيت في نفوسهم أنَّه يعلم الغيب ، فكأنهم قالوا : أتخلق فيها قوماً
يسفكون الدماءَ ويَعصونَك ؛ وإنَّما ينبغي إذا عرفوا أنك خلقتهم أن يسبحوا
بحمدك كما نسبح ، ويقدسُوا كما نقدس ، ولَمْ يَقُولُوا هَذَا إلا وقد أذن لهم .
ولا يجوز على الملائكة أن تقول شيئاً تتظنى فيه ، لأن اللَّه تعالى وصفهم
بأنهم يفعلون ما يؤمرون .
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ : ( إِنَىِ أعْلمُ ما لا تَعْلَمُونَ ) .
أي أبْتَلِي من تَظُنُون أنَّه يطيع فيهديه الابتلاءُ ، فالألف ههنا إِنَّمَا هي
على إِيجاب الجعل في هذا القول ، كما قال جرير :
معاني القرآن وإعرابه — صفحة 109
مساهمون: ابراهيم بن السري بن سهل ( الزجاج )
ص١٠٩