وأنتم تعلمون أنا على حق لأنكم فَسَقْتُمْ ، بأن أقمتم على دينكم لمحبتكم
الرياسة ، وكسبكم بها الأموالَ .
فإِن قال قائل : وكيف يعلم عالِمٌ أن دِيناً من الأدْيانِ حق فيْؤثر الباطِل على الْحق ؟
فالجواب في هذا أن أكثر ما نشاهده كذلك . مِنْ ذلِكَ أنَّ الإنسانَ يعْلَمُ أن الْقَتْل يُورِدُ النار فَيقْتُلُ ، إِما إِيثَاراً لِشِفَاءِ غيظه أو لأخْذِ مال .
ومنها أنَّ إِبْلِيسَ قَدْ علِم أنَّ الله يُدْخِلُه النَّارُ بِمعْصِيتِهِ فآثر
هواه على قُرْبه من اللَّه ، وعمِل على دُخول النارِ وهذا بابٌ بينٌ .
* * *
وقوله : ( قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ( 60 )
أي : بِشَرٍّ مما نَقَمْتُمْ مِن إِيماننا ثواباً ، و " مَثُوبَةً " منصوب على التمييز .
وقوله : ( مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ ) .
وضع " منْ " إِن شئت كان رفعاً ، وإِن شئت كان جراً فأما من جر فيجعله
بدلًا مِنْ شَر . المعنى أؤنبئُكُمْ بمن لعنه اللَّه ، ومَن رفع فبإِضمار هو ، كأن
قائلًا قال : منْ ذلك ؟ فقيل هو من لعنه اللَّه ، كما قال جلَّ ثناؤه :
( قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ ) كأنه فال : هي النار .
وقوله : ( وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ) .
الطاغُوتُ هو الشيطان ، وتأويل وَعَبَدَ الطاغوتَ : أطاعه فيما سَوَّلَ لَه
وأغراهُ به ، وقَدْ قُرئَتْ : ( وعَبْدَ الطَاغوتِ ) .
والذي أختارُ ( وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ )
وروي عن ابن مسعودٍ وعَبَدوا الطَاغوتَ ، وهذا يقوي ( وَعَبَدَ الطَاغُوتَ ) ، ومن قال وعَبُدَ الطاغوتِ . فَضم الباءَ وجَر الطاغوت ، فإِنه عند بعض أهل
العربيةِ ليس بالوجه من جهتين إِحداهما ، أن عَبُد على فَعُلٍ ، وليس هذا
معاني القرآن وإعرابه — صفحة 187
مساهمون: ابراهيم بن السري بن سهل ( الزجاج )
ص١٨٧