فالباءُ على الوجه الأوَّل داخلةٌ على المفعول به ، وعلى هذا القول الثاني ظرفٌ ، كقولك : فلانٌ بمكة .
ومن قدَّر سادٍ فاعلاً من السَّدى ، الذي هو النَّدى ، فإنَّ سادٍ ينبغي أن يكون خبرَ ابتداءٍ محذوف ، تقديره : سحابه سادٍ ، أي ندٍ ، فيكون سادٍ من صفة السَّحاب ، ولا يكون من صفة البرق ، على هذا التأويل ، ألا ترى أنَّ البرقَ لا يوصفُ بالنُّدوَّةِ ، فإذا كان كذا ، كان فاعلُ تجَّرمَ ضميرَ السَّحاب ، الذي لو كان هذا المبتدأُ مظهراً ، عاد الذِّكرُ إليه .
ومن جعل : سادٍ من السُّدى ، الذي هو الإهمالُ ، وخلافُ ضبط الشَّيءِ وحصره ، كان سادٍ في موضع رفعٍ ، على أنه صفةُ البرق ، ولا يمتنعُ البرق أن يوصف بذلك ، كأنه لكثرته ، ودؤوبه في ليلته ، خرج عن الحصرِ والضَّبط ، فلا يمتنعُ وصفُ البرقِ بسادٍ ، إذا كان من هذا الوجه ، كما امتنع من الوجه الآخر ، ومن ذلك قوله :
فتوضحَ فالمقراةِ لم يعفُ رسمها . . . لما نسجتها من جنوبٍ وشمألِ
يجوز أن يكون فاعلُ نسجتْ الرِّيح ، وأضمرها لدلالة الكلامِ عليها ، فيكون كهذه الأبيات التي ذكرناها .
ويدلُّك على جواز إسنادِ نسجتْ إلى الرِّيح المضمرةِ ، قولُ جريرٍ :
نسجً الجنوبُ مع الشَّمالِ رسومها . . . وصباً مزمزمةُ الحنينِ عجولُ
كتاب الشعر أو شرح الأبيات المشكلة الإعراب — صفحة 467
مساهمون: محمود محمد الطناحي
ص٤٦٧