الماضي فيه بمنزلة الآتي ، بدلالة وقوعِ الشَّرطِ بعده ، وأن المرادَ لو كان الماضي لم يصحّ ، من حيث لم يجزْ : قمتُ إن قمتَ ، وإنما تقول : أقومُ إن قمتَ ، لأنَّ المجازاةَ إنما تكون بما لم يقعْ .
فإنَّ البيتَ إن حمل على هذا لم يكن بالسَّهلِ ، لأنَّ هذا إنَّما يكون فيما قربَ قرباً شديداً ، ولم يكن فيه مهلةٌ ولا تراخٍ ، كنحو قولهم : قد قامت الصلاةُ ، فإنَّما يحسن
ذلك فيما كان على هذا النَّحو من القرب ، فإذا دخله التَّراخي لم يحسن ، وكذلك قولُ رؤبةَ :
أوديتُ إن لم تحبُ حبوَ المعتنكْ
كأنَّه من مقاربته الهلاكَ ، في حالِ من قد غشيه ذلك ، فلذلك حسن أن يسدَّ مسدَّ الجزاء .
أنشد أبو عبيدة :
فلا تحسبُ الأعداءُ إن متُّ أنَّني . . . وخلَّفتُ بشراً أنَّ حدِّيَ كلَّتِ
لا يستقيم أن تقدِّرَ العطفَ في قوله : وخلَّفتُ على هذا الشَّرط المظهرِ في الكلام ، لأنك إن قدَّرته هذا التقديرَ قدَّمتَ الصِّلةَ على الموصول ، ولكن تضمرُ بعد أنَّ شرطاً ، يكون هذا المتقدِّم دالاًّ عليه ، كما أضمرتَ بعد الاستفهام فعلاً ، دلَّ عليه ما تقدَّمه في قوله : ( وأنا منَ المسلمينَ . آلآنَ وقد عصيتَ قبلُ ) ألا ترى أنّ الاستفهام مثلُ الموصولِ ، في أنَّ ما تقدَّمه منقطعٌ منه ، وغيرُ داخلٍ في حيِّزه ، كما أنَّ الموصولَ كذلك .
كتاب الشعر أو شرح الأبيات المشكلة الإعراب — صفحة 412
مساهمون: محمود محمد الطناحي
ص٤١٢