تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
فسمي النكاح هبة . فهذه ضروب المجاز التي وقعت . فاعرفها . وأما الفرق بينه وبين الحقيقة ، فهو أن الحقيقة جارية على العموم في نظائره ، ألا ترى أنا إذا قلنا ( فلان عالم ) علماً صدق على كل ذي علم واحد صدق على كل ذي علم ، بخلاف ( واسئل القرية ) لأنه لا يصح إلا في بعض الجمادات دون بعض ، لأن المراد أهل القرية ، لأنهم ممن يصح السؤال لهم ، ولا يجوز أن يقال ( واسأل الحجر أو التراب ) . وقد يحسن أن يقال ( واسأل الربع أو الطلل ) . واعلم أن كل مجاز فله حقيقة ، وليس من ضرورة كل حقيقة أن يكون لها مجاز ؛ وذلك أن من الأسماء قسمين لا مجاز فيهما : ( الأول ) أسماء الأعلام ، كأنها وضعت للفرق بين الذوات لا للفرق بين الصفات . ( الثاني ) الأسماء التي لا أعم منها ، كالعلوم والمجهول والمدلول ، وغير ذلك ، مما أشبهه . واعلم إنه قد صار المجاز في تعارف الناس بمنزلة الحقيقة ، بل هو أقرب إلى التعريف من الحقيقة ، وأولى بالاستعمال منها ، وأحق بالافهام ؛ لأنه لو لم يكن كذلك لكانت الحقيقة ، التي هي الأصل ، أولى منه حيث هو فرع عليها . ألا ترى أن قوله تعالى ( والصبح إذا تنفس ) أبلغ من أن يقال ( إذا انتشر ) لأن التنفس يعطي من الدلالة ما لا يعطيه الانتشار ؛ وذلك لما فيه من بيان الروح على النفس ، عند إضاءة الصبح ، فجعل ظهور الصبح وانتشاره من خلال الليل ، شيئاً فشيئاً ، كالتنفس ؛ لأن أول ما يبدو الصباح ثم ينمي في انتشاره بالتدرج ، كإخراج الإنسان نفسه . واعلم إنه إنما يعدل عن الحقيقة إلى المجاز لمعان ثلاث وهي : الأنساع والتشبيه والتوكيد ، فإن عدمت هذه الأوصاف كانت الحقيقة البتة ؛ فمن ذلك قوله تعالى ( وأدخلناه في رحمتنا ) الآية . فهذا مجاز ، وفيه الأوصاف الثلاثة المذكورة . وأما الأنساع فهو إنه زاد في أسماء الجهات والمحال اسماً هو الرحمة ، وأما التشبيه فإنه شبه الرحمة ، وأن لم يصح دخولها ، بما يجوز
الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 30 | ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي / مصطفى جواد