تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
أعجب ما يجيء في هذا الباب . النوع السادس والعشرون من الباب الأول من الفن الثاني في الاستدراج وهو التوصل إلى وصول الغرض من المخاطب ، والملاطفة له بلوغ المعنى المقصود ، من حيث لا يشعر به ، وفي ذلك من الغرائب ، والدقائق ما يوثق السامع ، ويطربه ؛ لأن مبنى صناعة التأليف عليه ، ومنشأها منه ، فما جاء من هذا الباب ، قوله تعالى : ( واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقاً نبياً ، إذ قال لأبيه : يا أبت لم تعبد مالا يسمع ، ولا يبصر ، ولا يغني عنك شيئاً ، يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك ، فاتبعني أهدك صراطاً سوياً ، يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصياً ، يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن ، فتكون للشيطان ولياً ) . هذا كلام ، يهز أعطاف السامعين ، ويبهج نفوس المتأملين ، فعليك ، أيها المترشح لهذه الصناعة ، بإمعان النظر في مطاويه ، وترداد الفكر في أثنائه ، واتخاذه قدوة ونهجاً تقتفيه ، ألا ترى حين أراد إبراهيم ، أن ينصح أباه ، ويعظه مما كان متورطاً فيه ، من الخطأ العظيم ، الذي عصى به أمر العقل ، كيف رتب الكلام معه ، في أحسن اتساق وانتظام ، مع استعمال المجاملة ، واللطف ، واللين ، والأدب الجميل ، والخلق الحسن ؟ ! مستنصحاً في ذلك بنصيحة ربه ؛ وذاك أنه طلب منه أولاً العلة في خطيئته طلب منبه على تماديه ، موقظ ( له ) لإفراطه ( في غفلته ) وتناهيه ، لأن المعبود لو كان حباً ، متميزاً ، سميعاً بصيراً ، مقتدراً على الثواب ، والعقاب ، إلا أنه بعض الخلق ، لاستسخف عقل من أهله للعبادة ، ووصفه بالربوبية ، ولو كان أشرف الخلق ، كالملائكة ، والنبيين فكيف لمن جعل المعبود جماداً ، لا يسمع ، ولا يبصر ؟ ! ثم ثنى ذلك بدعوته إلى الحق ، مترفقاً به ، متطلعاً ، فلم يسم أباه بالجهل المطلق ، ولا نعته بالعلم الفائق ، ولكنه قال : ( أن معي