تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
أشياعه ، أكبر من العذاب ، وصدر كل نصيحة من النصائح الأربع بقوله : ( يا أبت ) توسلاً إليه واستعطافاً ، فقال له في الجواب ( قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم : لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا ) . ألا ترى كيف أقبل عليه الشيخ بفظاظة الكفر وغلظ العناد ، فناداه باسمه ولم يقابل قوله ( يا أبت ) بابني ؟ وقدم الخبر على المبتدأ في قوله : ( أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم ) لأنه كان أهم عنده وفيه ضروب من التعجب والإنكار ، لرغبة إبراهيم عن آلهته وأن آلهته لا ينبغي أن يرغب أحد عنها . ومن هذا الباب ، قوله تعالى : ( قال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه : أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم ، وأن بك كاذباً فعليه كذبه ، وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم . أن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ) ألا ترى ما أحسن مأخذ هذا الكلام وألطف مغزاه ؟ فإنه أخذهم بالاحتجاج على طريقة التقسيم فقال : لا يخلو هذا الرجل من أن يكون كاذباً ، فكذبه يعود عليه ولا يتخطاه ، أو يكون صادقاً فيصيبكم بعض ما يعدكم إن تعرضتم له . وفي هذا الكلام من حسن الأدب والإنصاف ما أذكره لك ، أيها المتأمل ، فأقول : إنما قال ( يصبكم بعض الذي يعدكم ) وقد علم أنه نبي صادق وأن كل ما يعدكم به ، لا بد من أن يصيبهم ( كله ) لا بعضه ، لأنه احتاج في مقاولة خصوم موسى أن يسلك معهم طريق الإنصاف والملاطفة في القول ، ويأتيهم من جهة المناصحة ، فجاء بما علم أنه أقرب إلى تسليمهم لقوله ، وأدخل في تصديقهم له ، وقبولهم منه ، فقال ( وإن بك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم ) . وهو كلام المنصف في مقابلة غير المشتط فيه ؛ وذلك أنه حين فرضه صادقاً فقد أثبت أنه صادق في جميع ما يعد به ، لكنه أردفه بقوله : ( يصبكم بعض الذي يعدكم ) ليهضمه بعض حقه في ظاهر الكلام ، فيريهم أنه ليس بكلام من أعطاه