عليها ، وفيها من دقيق الصفة ، وجليل الفائدة ، ما لا خفاء به ، فمما جاء منه قوله تعالى : ( أفمن شرح الله صدره الإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين ) . تقدير الآية ( أفمن شرح الله صدره للإسلام كمن أقسى قلبه ) ويدل على المحذوف قوله ( فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ) . ومن ذلك قوله تعالى : ( لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا ) . تقديره ( لا يستوي من أنفق من قبل الفتح ومن أنفق من بعده ) . ويدل على المحذوف ( أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا ) . ومن هذا الضرب حذف العلل كقوله تعالى حكاية عن مريم عليها السلام : ( قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله
آية للناس ورحمة منا وكان أمراً مقضيا ) . ( ولنجعله ) تعليل معلله محذوف أي وإنما فعلنا ذلك لنجعله آية للناس ، ونبين به أثر قدرتنا الباهرة . ومن الإضمار على شريطة التفسير حذف المفعول الوارد بعد المشيئة والإرادة كقوله تعالى : ( ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم ) . فمفعول شاء هاهنا محذوف وتقريره : ولو شاء الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بها ، وعلى نحو من ذلك جاء قوله تعالى : ( ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ) . الآية . ومن هذا الضرب قول البحتري :
لو شئت لم تفسد سماحةَ حاتم . . . كرماً ولم تهدم مآثر خالد
فالأصل في ذلك ( لو شئت أن لا تفسد سماحة حاتم لم تفسدها ) فحذف ذلك من الأول استغناء بدلالته عليه في الثاني ، فإن الواجب في حكم البلاغة أن لا تنطق بالمحذوف ، ولا تظهره إلى اللفظ ، ولو أظهرته لصرت إلى كلام غث ومجئ المشيئة بعد لو وبعد حروف الجزاء هكذا
الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 126
مساهمون: ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي
ص١٢٦