تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
عليَّ نحتُ المعاني من معادنها . . . وما عليَّ بأن لا تفهم البقر وحيث انتهى بنا القول إلى هذا الوضع ، فلنرجع إلى ما هو غرضنا ومهمتنا ، من الكلام على الإيجاز وحده وأقسامه . ولنوضح ذلك إيضاحاً جلياً ، فنقول : اعلم أن حد الإيجاز هو دلالة اللفظ على المعنى من أقرب طرقه ، وهو ينقسم قسمين : أحدهما الإيجاز بالحذف وهو ما يحذف منه المفرد والجملة ، لدلالة فحوى الكلام على المحذوف ، ولا يكون إلا فيما زاد معناه على لفظه . وأما القسم الآخر فهو ما لا يحذف منه شيء ، بل يترك على حاله ، وهو ضربان : أحدهما ما ساوى لفظه معناه ، ويسمى التقدير ، والآخر ما زاد معناه على لفظه ، ويسمى القصر ، فأما القسم الأول ، وهو الإيجاز بالحذف ، وذلك باب دقيق المسلك ، لطيف المأخذ ، عجيب الأمر ، شبيه بالسحر ، فإنك ترى فيه ترك الذكر أفصح من الذكر ، والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة ، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق ، وأتم ما تكون مبيناً إذا لم تبن ، وهذه جملة تنكرها حتى تخبر ، وتدفعها حتى تنظر ، وهذا القسم يشتمل على أربعة عشر باباً : الأول : الاكتفاء بالسبب عن المسبب ، عن السبب ، وهو ضرب من الكلام ، تتكاثر محاسنه ، وتتزايد لطائفه . أما الاكتفاء بالسبب عن المسبب فكقوله تعالى ( وما كنت يجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين ولكنا أنشأنا قروناً فتطاول عليهم العمر ) كأنه قال ( وما كنت شاهداً لموسى وما جرى له وعليه ، ولكنا أوحيناه إليك ) فذكر سبب الوحي على عادة اختصارات القرآن الكريم ، لأن تقدير الكلام ( ولكنا أنشأنا