فإن قوله ( أرقط ) لا حاجة إليه ولا فائدة في ذكره ، إذ لا فضل للأرقط من الحيات على غيره من الألوان ولا مزية ، وأمثال هذا كثيرة .
وأما الضرب الثاني الذي يكون مؤثراً في الكلام تقصاً ، وفي المعنى فساداً ، فما جاء منه قول بعضهم :
فقد والشك بيّن لي عناءٌ . . . بوشك فراقهم صُرَدٌ يصيح
فان ( في ) هذا البيت من رديء الاعتراض ما أذكره ، وهو الفصل بين قد والفعل ، الذي هو ( بين ) وذلك قبيح لوجوب اتصال ( قد ) بما تدخل عليه من الأفعال ، ألا تراها تعتد مع الفعل كالجزء منه ، ولذلك دخلت اللام المراد بها توكيد الفعل على ( قد ) في قوله تعالى ( ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك ) وفي قوله تعالى ( ولقد علموا لمن اشتراه ) . وقول الشاعر :
ولقد أجمع رجليَّ بها . . . حذر الموت وإني لغرور ؟
إلا إنه إذا فصل بين قد ولفعل بالقسم فإن ذلك لا بأس به ، نحو قولك ( قد والله كان ذلك ) . وقد فصل بين المبتدأ الذي هو الشك وبين الخبر الذي ( هو ) عناء بقوله ( بين ) وفصل بين الفعل الذي هو ( بين ) وبين فاعله الذي هو ( صرد ) بخبر المبتدأ الذي هو ( عناء ) فجاء هذا البيت كما ترى ، فإن قبحه لا خفاء به ومن هذا الجنس قول الآخر :
نظرت وشخصي مطلع الشمس ظلّه . . . إلى الغرب حتى ظلَّه الشمس قد غفل
أراد ( نظرت مطلع الشمس ) أي حاذاها ، وعلى هذا التقرير فقد فصل بمطلع الشمس بين المبتدأ الذي هو ( شخصي ) وبين خبره الجملة وهو قوله ( ظله إلى الغرب ) . وأغلط من ذلك الفصل بين الفعل وفاعله بالأجنبي . وقد تقدم ذكره ، وهذا وأمثاله مما يفسد المعاني ويؤثر بها الاختلال .
الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور — صفحة 121
مساهمون: ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي
ص١٢١